تتجاوز حالة الارتفاعات العاصفة في أسواق النفط العالمية، التأثيرات والانقلابات الحادة في حياة المجتمعات في جهات متعددة من العالم، الى الضرب عميقا في الحالة النفسية والمزاج اليومي لمئات الملايين من البشر، بعد ان جعلت هذه الارتفاعات منهم محللين اقتصاديين وخبراء في اقتصاد النفط وكوارثه يصابون بدوار بورصة الأسعار وصداعها أكثر من تجار الكاز والغاز، كما هو الحال لدى مئات الآلاف من أرباب الأسر الأردنيين، اؤلئك الذين أصبح سؤال سعر برميل النفط لديهم الهاجس اليومي الذي يتبادلونه كالتحية والسؤال عن الصحة والعافية.
يسجل النفط منذ مطلع هذا العام ارتفاعات لم يحسب حسابها في يوم ما، وأصبحت تصل معدل 10 دولارات في كل شهر، وإذا كاد العالم حبس أنفاسه العام الماضي حينما كانت التوقعات تنذر بأن أسعار النفط ستصل آنذاك الى مائة دولار فإن الحادثة تتكرر هذا العام مع نذر وصول برميل النفط الى مائتي دولار نهاية هذه السنة، بمعنى ان العالم يسير وفق متوالية هندسية مجنونة في ارتفاع الأسعار، تعني ان سعر برميل النفط سيصل على هذا المنوال عام 2012 الى ألف دولار للبرميل الواحد. وهذا الرقم الذي يثير الفزع للوهلة الأولى ويبدو غير عقلاني، لكنه التطور الطبيعي والمنطقي لقانون المتوالية الهندسية التي تحرك سعر النفط منذ عام 2003، ولنعد بالذاكرة الى بداية تلك السنة حيث حجم التناقضات والتوقعات حينما كان الرئيس الأميركي، يحذر بأن السعر الطبيعي للبرميل يجب ان يستقر عند 25 دولارا.
كل الأسباب التي يدور حولها تفسير حمى الأسعار الراهنة غير كافية وحدها لتفسير هذه الحالة؛ من الأزمة الاقتصادية الأميركية الى زيادة الطلب الأميركي الى نمو القطاع الصناعي الصيني وتغير نوعية الحياة لمئات الملايين من الصينيين، الى تداعيات سوق النفط العراقي والأزمة الأميركية هناك، الى استعادة أوبك لدورها وحدوث ما يسمى التوازن الموضوعي في عناصر السوق وقواه الفاعلة بين المنتجين والمستهلكين.
كل تلك الأسباب توضع في كفة واحدة، مقابل الأسباب النفسية وتداعيات مشاعر الخوف وإدارة التوقعات التي تتحكم بالمتعاملين بسوق أهم سلعة استراتيجية في العالم، فلقد أصبح يتردد بقوة ان أهم أسباب الارتفاعات والمضاربات الغامضة ترتبط بأسباب نفسية وبالخوف والذعر من ماذا سيحدث غدا، وما هي أسعار الغد، فالعالم اليوم يديره الخوف والهلع والذعر أكثر من شيء آخر.
هنالك مصفوفات متفاوتة من الأمراض النفسية التي تصاب بها الدول أيضا، فالدول كائنات حية تمرض وتتعافى وتموت وتصاب بإمراض وعقد نفسية أيضا، وهذا ما أفضت اليه أزمات النفط الراهنة، من مظاهر غريبة وغير قابلة للتفسير من سلوك العديد من الدول فيما بين دول التخمة ودول النقمة، وبين المجتمعات التي تعاني من عدم القدرة على استيعاب الفوائض الهائلة، وبين المجتمعات التي تسحق ليس اقتصاديا وحسب بل ونفسيا.
قبل ثلاث سنوات شخص الرئيس الأميركي أهم أمراض بلاده حينما وصف حالة اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط بالإدمان، وحالة الإدمان تفترض العلاج الذي دعا إليه الرئيس بخفض واردات الولايات المتحدة من النفط الخام من دول الشرق الأوسط بنسبة 75% بحلـول عام 2025م، وليست الولايات المتحدة والغرب الأوروبي من أدمنا الاعتماد على النفط، بل ان مجتمعات الشرق الأوسط نفسها قد ادخلها الصداع التاريخي للنفط وما جلبه من حروب وصراعات في حالة غيبـوبة تفوق مرات حالة الإدمان الغربي، وهي الغيبوبة التي جلبتها هذه النعمة حينما تحولت إلى نقمـة تاريخية أوضح أمثلتها الصراعات الدولية المحتدمة منذ عقود حول المنطقة، والتي تمثل اللحظـة التاريخيـة الراهنة إحدى لحظات صعودها الكبرى، وقس على ذلك نماذج التنمية المشوهة والاختلالات الاقتصادية والاجتماعية الممتدة من الجزائر غرباً إلى إيران شرقاً.
تثير فورة أسعار النفط الراهنة التي يشهدها العالم حالة عصبية لا تقتصر على اقتصاديات العالم، وعلى ارتفاع الأصوات في بورصات النفط، بل يجب ان نراقب العالم الجديد الذي يولد في هذا الوقت جنبا الى جنب إعادة تدوير تاريخ الأزمات في الكثير من المجتمعات ومصادر التهديد وعناصر القوة، وحينما ينظر إلى سعر برميل النفط اليوم والتوقعات التي تفترض تجاوز سعر البرميل الواحد حاجز المائتي دولار هذا العام والخمسمائة دولار العام القادم تستعاد مخاوف ورهانات التغيرات الدراماتيكية في شكل الحياة وفي شكل العالم القادم، فالعالم يفتقد ما تبقى من عافيته النفسية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد