جامعة فلوردا
في الوقت الذي تؤكد فيه التقارير القادمة من جهات العالم المختلفة كل عام تدني مكانة العالم العربي في الإنتاج العلمي وإنتاج المعرفة، تزداد غربة الباحثين العرب الحقيقيين الذين ما ينفك المرء ان يجدهم أينما حل في جامعات ومؤسسات البحث العلمي الغربية، وهي الحقيقية التي تؤكدها ضائلة ما يقدمه العرب من إنفاق على البحث العلمي كلما ازدادت ثرواتهم وتباهوا بأرقامها الأسطورية.
يحتل البحث العلمي مكانة مركزية في أي مشروع تنموي معاصر، وهو المحور الأساسي في الاستراتيجيات الراهنة والمستقبلية للدول المتقدمـة، ولقد ازدادت أهمية البحث العلمي والتطوير مع التحول العالمي نحو اقتصاد المعرفة الذي يرفع من قيمة الجهد الذهني للإنسان، مع تراجع أهمية عناصر الإنتاج الأولية وبنية العمل التقليدية، حتى أصبح البحث العلمي وإنتاج المعرفة اليوم اثمن عناصر الإنتاج الجديدة، ولحظة تحول كبير في تاريخ الإنتاج لم تحدث مثيلاتها إلا عبر مدد طويلة وخلال قرون طويلة.
 
عشرات القصص التي تدمي القلب وتكسر النفس وتوطن حزنا لأجيال يرويها باحثون عرب غادروا الأوطان تحت ضغط الحاجة والخوف، وتحت وقع كآبة مزمنة ويأس من التغيير، وتحملوا دفع ثمن التضحية، وتحولوا طائعين الى أسنان في ماكنة صناعة مستقبل شعوب أخرى.
غربة الحقيقة لا تتمثل في غربة الباحثين العرب الذين هجروا أوطانهم، بل في الظروف التي دفعتهم الى هذا المصير، وهي الظروف التي لا تحتفي بالحقيقة في كافة اوجه المعرفة الإنسانية، وفي مقدمتها البحث العلمي، يزداد وقع هذه الغربة عند مقارنة عشرات المعايير التي أخذنا في السنوات الأخيرة نكتشفها ونصدم بها، في مجال عدد البحوث المنشورة، الاختراعات والابتكارات المسجلة، الترجمة، عدد الباحثين، عدد التقنيين، توفر وسائل البحث العلمي وعدد مراكز البحث المتخصصة مع استمرار الظروف المحبطة وازدياد تعقيدها.
 
لقد أدى دعم البحث العلمي والتطوير في مجال الصحة والمرض خلال القرن العشرين الماضي إلى زيادة متوسط عمر الإنسان حوالي30 سنة، وزيادة عمر الانسان هي المعيار الحقيقي لجودة الحياة وبالتالي للتنمية، ويقدر ما عاد على المجتمع الإنساني نتيجة زيادة متوسط عمر الإنسان خلال ذلك القرن حوالي 20.4 تريليون دولار. تؤكد دراسـة شملت 132دولـة في العالم ان رأس المال البشري والاجتماعي يساهم بما لا يقل عن 64% من أداء النمو، أما رأس المال المادي للأصول الرأسماليـة حوالي 16%، في حين يساهم رأس المال من الموارد الطبيعيـة 20% ما يؤكد اين يكمن المورد الحقيقي.
يوجد في الولايات المتحدة 207 جامعات تخصص كل منها للبحث العلمي أكثر من 20 مليون دولار، وتوجد حوالي 103 جامعات تخصص ما بين 5 الى20 مليون دولار سنوياً، احتلت جامعة جونز هوبكنز المركز الأول في دعم البحث العلمي حيث بلغت ميزانيتها للبحث العلمي فقط حوالي بليون دولار في عام 2001، ثم جاءت جامعة كاليفورنيا_ لوس انجلوس 693 مليون دولار، ثم جاءت جامعة وستكسون 604 ملايين دولار، مجموع الإنفاق على البحث العلمي في الجامعات الأميركية وصل معدله في السنوات الأخيرة حوالي 45 بليون دولار سنويا, ساهمت الحكومة الفدرالية فيه بمبلغ 21.8 مليار دولار، اما الصناعة فتساهم بحوالي3.18  بليون دولار, والتبرعات بمبلغ 7.1 بليون دولار.
وحيث يلعب القطاع الخاص الدور الكبير في دعم البحث العلمي والتطوير فقد وصلت نسبة إسهام الشركات في الإنفاق على البحث العلمي والتطوير في اليابان عام 2001 م (73%) من مجمل الإنفاق العام، وفي الولايات المتحدة 66% وفي الاتحاد الأوروبي 56%.
فكر القادة الصهاينة الأوائل قبل إنشاء إسرائيل بأن مستقبل الدولة الموعودة لن يتحقق إلا بالبحث العلمي, حيث تم إنشاء(معهد التخنون) عام 1912 واستقبل أول الطلبة عام 1924 وأسست الجامعة العبرية 1918، تصوروا كل ذلك قبل تأسيس الدولة، ولعبت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية دوراً كبيراً في حركة البحث العلمي ولديها عشرات المراكز البحثية المتقدمة، حيث بلغت نسبة العلماء اليهود المهاجرين إلى فلسطين عام 1968 حوالي 33% من مجموع المهاجرين, وتمول الولايات المتحدة وحدها حوالي 20% من نفقات البحث العلمي في إسرائيل، بينما توجد في إسرائيل حوالي 1800 شركـة أبحاث وتطوير، توجـه نحو 60% من نشاطها في أبحاث متخصصـة في تطوير صناعات الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات، والإلكترونيات الطبيـة وتكنولوجيا الاتصال، حيث أصبحت صناعات الإلكترونيات تحتل المرتبـة الأولـى في صادرات إسرائيل الصناعيـة وتصل إلى أكثر من ستـة بلايين دولار سنوياً، ويقدم الطلبة الاسرائليون وحدهم كل عام العديد من الابتكارات والإضافات العلمية التي تتسابق عليها كبريات الشركات الغربية.
الحقيقة بمفاهيمها الفلسفية والعلمية والإنسانية أكثر من يعاني الغربة في هذا الجزء من العالم، رغم تراكم كل هذا الثراء المادي، الذي يقابله فقر مدقع في توطين المعرفة وأسبابها، والغربة الحقيقية ان تكون مشكلتك الكبرى انك تعرف!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد