جامعة فلوريدا
زيارة السناتور الأميركي باراك اوباما المرشح الديمقراطي الأوفر حظا للأردن هذا الأسبوع ؛ تضع اليد على ملامح أولية لمسار لعلاقات الأردنية الأميركية خلال السنوات الأربعة القادمة، في واحد من أكثر السيناريوهات احتمالا.
وتأتي أهمية هذه الزيارة بعد ما تردد عن مخاطر أجندة المرشح الجمهوري جون ماكين ورؤيته لمستقبل حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومستقبل الكيان الفلسطيني الموعود وموقع الأردن من هذه الحلول، فالجولة العالمية للسناتور الديمقراطي التي يعدها الإعلام الأميركي تمرينا متقدما في إدارة العلاقات الدولية وضعت الأردن الى جانب النقاط الساخنة على جدول الزيارة التي تشمل أفغانستان والعراق وإسرائيل وحلفاء كبارا للولايات المتحدة في أوروبا.
وعلى أي حال، فإن الانشغال بالملفات الدولية والاقليمة ورؤية الإدارة الأميركية القادمة لآليات التعامل معها لا يبرر عدم المطالبة بمراجعة العلاقات الأردنية الأميركية بشكل جدي، والتذكير دوما بالمطالبة بضمانات حقيقية لحماية المصالح الأردنية وخلق حالة من التفهم الحقيقي القائم على المعرفة والإدراك وتبادل المصالح بين الطرفين تحديدا للوضع الأردني في الملف الفلسطيني الاسرائيلي وفي مستقبل الأوضاع في العراق.
فالعلاقات الأردنية الأميركية هي الأقدم في المنطقة والأكثر استقرارا من غيرها على مدى أكثر من خمسة عقود، وهناك يقين لدى النخبة الأردنية المتفهمة لبعض ملامح هذه العلاقات بأن الأردن يستحق من الولايات المتحدة أكثر بكثير من ما يحصل عليه حاليا.
إذا ما سارت الأحداث حسب التوقعات الراهنة التي تذهب نحو فرصة حقيقية للحزب الديمقراطي ومرشحه بالوصول الى الرئاسة الأميركية، فإن القراءات المبكرة تشير الى بداية دخول الولايات المتحدة مرحلة جديدة في إدارة النظام الدولي هي بأمس الحاجة إليها. هذه المرحلة التي تحمل رمزية شخصية الرئيس القادم المتوقع؛ تعني إعادة تأهيل مكانة ودور الولايات المتحدة لمرحلة جديدة في قيادة العالم بعد الانهاك والتشويه الذي تعرضت له خلال ثماني أعوام من سيطرة المحافظين ومن الحروب والاحتلالات وسياسات العصا الغليظة المرفوعة في وجه العالم. وهذه المرحلة أيضا تمثل تعبيرا عن أهداف استراتيجية عليا تعبر عنها مصالح الدولة العظمى وتتلاءم مع شخصية اوباما وحضوره وبرنامجه لإدارة العالم.
وعلى الرغم من كل ما يطرح في العالم العربي من اتهامات ومن توقعات تعبر عن يأس من تغير في اولويات ومضامين السياسية الأميركية الخارجية، إلا ان القراءة الأخرى للمشهد الأميركي توضح مدى الرغبة في التغيير ليس التغيير كشعار للمرشح الديمقراطي وحسب، بل التغيير الذي تحتاجه الولايات المتحدة كي تبقى واقفة كما تقول مراكز دراساتها ونخبها المفكرة، وتعبر تلك القراءة عن حنين لعودة صورة الولايات المتحدة ودورها ومكانتها كما كانت في النصف الأول من القرن العشرين.
ثمة حنين للحلم الأميركي في الداخل بعد ان كاد ان يطفأ في الخارج، هذه المعطيات تعبر عنها أجندة المرشح الأوفر حظا واهم ملامحها الخارجية تحسين علاقة الولايات المتحدة بالعالم من خلال بناء التحالفات وتقديم المساعدات الخارجية، حيث يتعهد أوباما بمضاعفة المساعدات الأميركية للعالم بنهاية فترة رئاسته الأولى، وباحترام حقوق الإنسان ورفضه للأخطاء التي اقترفت في سياسة السجون السرية والمعتقلات.
كما يتعهد أوباما بأن يقرن مساعدات أميركا الخارجية بمطالبة النظم السياسية بالإصلاح، وأن يدعم الحوار بين دول العالم كالهند وباكستان، وأن يعتمد الحوار المباشر أداة دبلوماسية أساسية مع مختلف الدول بما في ذلك إيران.
وخلافاً لقاموس اللعنات التي اعتدنا عليها في مواجهة السياسات الأميركية، فان العلاقات الأردنية الأميركية وبعد أكثر من خمسة عقود من التحالف تحتاج إلى مراجعة نقدية علمية وهادئة من قبل الجانب الأردني والأميركي، وبالتحديد التفاعلات السياسية والأمنية والاقتصادية خلال السنوات الست الماضية فمنذ عام 2002 ازدادت المساعدات الاقتصادية الأميركية.
وازداد الأردن التزاماً بالوصفات الأميركية وتوصيات البنك الدولي وانخرط في سياسات التبادل الحر والاندماج في الاقتصاد العالمي والمناطق الصناعية المؤهلة والمناطق المشتركة والمناطق الخاصة وغيرها.
في المحصلة؛ وعلى الرغم من كل الأرقام الرسمية حول النمو الاقتصادي والاستثمارات الأجنبية فان معدلات البطالة بقيت تراوح مكانها ونسب الفقر في ارتفاع مستمر، فحصاد النجاح النسبي في بعض الجوانب الاقتصادية غير عادل بالمقارنة مع المصالح الأميركية المتحققة من هذه العلاقات.
لم تحاول الولايات المتحدة توجيه الاقتصاد الأردني واحتضانه نحو تنمية حقيقية بالاعتماد على عناصر الاقتصاد الصلبة كما فعلت في جهات متعددة من العالم مع حلفاء آخرين لها في أوروبا وفي جنوب شرق آسيا أو أميركا اللاتينية.
فلا شيء ملموسا وفعليا يلمسه الأردنيون في معاشهم وفي نواحي حياتهم؛ فلم تبن المساعدات الأميركية مصفاة بترول ولم تمد طرقا وطنية عابرة ولم تشيد بنية تحتية في قرى الجنوب أو الشمال وفي الصحراء الشرقية ولم تسهم في تقديم مساعدات لمنشآت تسهم في تخفيف وطأة أزمتي الطاقة والمياه.
وبفعل السياسات الأميركية لم يحصل الأردن على الثمن الاقتصادي والاستراتيجي الحقيقي لعملية السلام التي انخرط فيها لا من المجتمع الدولي ولا من الولايات المتحدة نفسها مقارنة مع ما حصلت عليه إسرائيل ومصر بعد اتفاقيات كامب ديفيد، بل ان السياسات الأميركية أضعفت من قوة الحكومات الأردنية ومكانتها في الداخل بعد ان رفعت حجم التطلعات والتوقعات التي سيأتي بها السلام ولم تسفر عن أكثر من ذر الرماد وبقيت العلاقات الأردنية والإسرائيلية تدار من خلال الولايات المتحدة، ضمن سياسات التطمينات والضمانات، بينما يستمر التهديد الإسرائيلي المباشر للدولة الأردنية وبأشكال مختلفة.
السؤال المطروح هل التغيرات المحتملة في الولايات المتحدة ستدعم مكانة الأردن ودوره في المنطقة ومصالحه الحيوية، أم أن التفاهمات الإقليمية المحتملة ستعني تراجع هذه المكانة كما تبدو هذه الأيام مع ازدياد أزمة دول الاعتدال العربية وخسارتها للعديد من الملفات الإقليمية؟
هذه الإجابة تحسمها السياسات الأردنية في قدرتها في الدرجة الأولى على إعادة تأهيل دور الأردن لمرحلة التغيرات القادمة والاستفادة من رصيد العلاقات والثقة المتبادلة مع الطرف الأميركي.
المهم ان المرحلة المقبلة تحتمل تحديات جدية وفرصا حقيقية في نفس الوقت بالنظر للمصالح الوطنية الأردنية، وسيحسم ذلك بالطريقة التي سيتم التعامل من خلالها مع أهم تحديين في هذه العلاقات، وهما قيام الدولة الفلسطينية وتوفير ضمانات استراتيجية لأمن الأردن ودعم حقيقي للتنمية في الأردن.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد