سارت الدراما السودانية بخطوات سريعة، منذ صدور قرار مجلس الأمن الذي أوكل لمحكمة الجنايات الدولية مهمة النظر في قضايا دارفور، ثم مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة مباشرة بحق الرئيس السوداني، وتوجيه الاتهام مباشرة للبشير بارتكاب جرائم ابادة جماعية وجرائم حرب ضد الإنسانية.
هل توجد جرائم حرب وابادة جماعية في السودان؟ هذا صحيح. هل المطالبة بمحاكمة الرئيس السوداني تحمل مضامين سياسية وتعد تدخلاً في الشؤون الداخلية وتعبر عن أجندات دولية؟ هذا صحيح أيضاً. لكن من غير الصحيح استمرار الوضع في دارفور على ما هو عليه، فليس المطلوب رأس البشير، لأن ثمة مئات الآلاف من السودانيين، رؤوسهم ليست أرخص من رأس البشير، لاقوا مصيرهم في أمجاد وهمية وحرب بائسة ومخجلة. المراد هو رأس السودان، أي تفكيك الدولة الوطنية السودانية بعدما وفرت النخب السياسية المتصارعة المبررات والظروف الملائمة لذلك، وبعدما أصبح السودان مصدراً كبيراً للطاقة، ونافذة جديدة الصراع الدولي. إنها القصة نفسها.
تصاعدت أهمية نفط السودان منذ التسعينيات، بعد أن أصبح النفط يشكل 70% من الصادرات السودانية، ويتركز في الجنوب، وفي مناطق جنوب شرق وجنوب غرب البلاد، حيث إقليم دارفور. وتعد هذه المنطقة مستودعاً لليورانيوم غير المستغل، والعديد من المعادن مثل النحاس والكروم وبكميات تجارية كبيرة، وفوق ذلك فالإقليم الذي يعاني الجفاف والعطش والمجاعة، يتربع فوق واحد من أكبر خزانات المياه الجوفية في أفريقيا.
في ضوء تلك المحددات، أصبح السودان رابع أكبر مزود للصين بالنفط، ونمت العلاقات بين البلدين بشكل سريع، وشيدت الصين عشرات المشاريع الضخمة، وشقت طرقاً واسعة وعشرات المصانع في الخرطوم. تزامن هذا التوسع مع بدايات التسوية السياسية للنزاع في الجنوب، ومع تعاظم أزمة الطاقة في العالم وتعاظم حدة التنافس الدولي على المنطقة، الأمر الذي جاء بالصين الى المنطقة وجعل السودان بؤرة اختراق ليس لمصالح الولايات المتحدة وحدها، بل ولدول غربية أخرى.
النزاعات الأهلية السائدة في العالم العربي، توضح أحد مسارات الصراعات القادمة، والمتوقع أن تدور حول عنوان عريض مفاده الصراع على مستقبل الدولة الوطنية، أي الصراع داخل المجتمع السياسي والمجتمعات الأهلية غير المندمجة في معظم أشكال الدول العربية السائدة، بينما سيكون محرك هذا النمط من الصراع هو التقاء أسباب داخلية مع مصالح خارجية، وهي القصة المتكررة نفسها.
من الواضح أن أزمة الأقليات في العالم العربي قد اشتدت منذ مطلع التسعينيات، مع الموجة الديمقراطية الجديدة التي كادت أن تلمس أطراف جسد المنطقة، وهي في الحقيقة أزمة بناء الدولة الوطنية أكثر من حصرها في الأقليات، فالموضوع في السودان ليس موضوع أقليات، لأن الإقليم يسكنه حوالي ستة ملايين نسمة، يشكلون حوالي 85 قبيلة، أغلبيتهم العظمى أي 90 بالمئة منهم من المسلمين السنة، وهم الذين دمروا مساجدهم بأيديهم؛ فهذه الحرب لا علاقة لها بالدين، ثم إن بشرتهم سوداء جميعاً، على الرغم من أن التوزيع العرقي البعيد يعيد جذور 60 بالمئة منهم إلى أصول أفريقية، و40 بالمئة إلى أصول عربية، وهكذا فالبعد العرقي ليس سبب الحرب، لأن هناك اندماج اجتماعي بين هذه القبائل منذ زمن. المشكلة تكمن في فشل الدولة بأن تكون دولة لكل موطنيها، وهي أزمة تتكرر في معظم الكيانات العربية، وتعبر أولاً عن فشل النظم السياسية ومجتمعاتها في خلق الاندماج الاجتماعي، وتدشين الحدود الدنيا لممارسة المواطنة بين مختلف فئات مواطنيها، وتعبّر ثانياً عن انكسار الهوية الاندماجية التي حاولت بعض النظم فرضها بهيمنة أحد مكونات الثقافة المحلية على بقية الثقافات الفرعية، وثالثاً تعبّر هذه الأحداث عن وجود أقليات مستكينة تُغلّب الشعور بالذات العميقة على الشخصية الوطنية، وهي أقل استعداداً للاندماج مع مجتمعها والتكامل مع دولتها، ولكنها في كل الأحوال تعبّر عن حقيقة حاجة المجتمعات العربية لبناء دول لكل مواطنيها.
لا يكفي تحرك الجامعة العربية للدفاع عن الرئيس السوداني. المطلوب عربياً الدفاع عن السودان، ولعل أهم ما في الملف السوداني اليوم هو الوصول إلى صيغة لوجود قوات عربية تفرض سيادتها الكاملة على إقليم دارفور، فحجم الغياب العربي مخجل عن هذه الأزمة المستمرة منذ ثلاث سنوات، وتجاوز عدد ضحاياها عشرات الألوف، ونزح بسبها أكثر من ثلاثة ملايين إنسان من بيوتهم ومناطق سكناهم في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة والتعقيد؛ فلا وجود للسياسة أو الدبلوماسية العربية، ولا حضور للمال أو المساعدات العربية، ولا حتى للإعلام والرأي العام العربي، باستثناء دعوات أسامة بن لادن لاستمرار الاقتتال والصراع، مقابل تغلغل أصابع عشرات الدول فوق رمال الصحراء السودانية الملتهبة من الجيران الأفارقة، إلى الصين وإيران الإسلامية، وصولاً إلى إسرائيل والولايات المتحدة، وأطراف غربية عديدة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد