في وسط مدينة ميامي الأميركية الواقعة على الشواطئ الجنوبية الشهيرة بجاذبيتها المعروفة، توجد  مدينة أخرى تسمى "هافانا الصغيرة" لا تقل في قيمتها الثقافية والاقتصادية عن سحر الشاطئ الجنوبي وما لفه من حكايات ودراما وسينما سوقته لسنوات طويلة كأحد أجمل شواطئ العالم إثارة وجمالا. لكن الصورة في الحي الكوبي مختلفة؛ فمصادر السحر هنا تكمن في الحكاية الكوبية وشوق الناس للانغماس في تفاصيلها بما تحمله من تحد وغموض وأسرار.
هافانا الصغيرة؛ صورة لقدرة التنوع الثقافي على خلق حالة اقتصادية وثقافية مبدعة بغض النظر عن الخلفية التي أوجدت هذا المكون السكاني بأبعاده السياسية والثقافية والاجتماعية، وصورة مفارقة أخرى لقدرة السياسة والأخبار الطويلة على المنافسة حتى في سوق السياحة.
بدأت هافانا الصغيرة مأوى للاجئين الكوبيين في الستينيات والسبعينيات، اولئك الذين فتحت لهم الولايات المتحدة آنذاك أبوابها، وبينما حمل الناس معهم ثقافتهم وأنماط معاشهم، تحول هذا الحي من المدينة السياحية الى ما يشبه مدينة صغيرة أخرى، أخذت طابعها الكوبي مع تنوع واضح لمجتمعات أميركا الوسطى واللاتينية التي تشكل نسبة كبيرة في مدن الولايات المتحدة الجنوبية، وبالتدريج أصبحت هافانا الصغيرة بمطاعمها ومقاهيها ومتاجرها مقصدا سياحيا ينافس الشواطئ الشهيرة.
الفكرة الأساسية من الكتابة عن هافانا الصغيرة ليس بالطبع التسويق لها! بل في الإجابة عن سؤال لماذا يزورها الناس، وهي الإجابة التي اعتقدت انها تخصني وحدي، لاكتشف ان معظم الذين يأتوا لزيارة هذه المدينة قد اتخذوا قراراتهم بناء على التصور المرتبط بالرغبة التي قد تصل أحيانا الى درجة الحنين لرؤية المجتمعات أو الأمكنة الفارقة، ذات الصلة بالأحداث الكبرى وبالتحديد الأجيال التي شهدت جانبا من تلك الأحداث.
معظم السياح يتصورون ان يجدوا فيدل كاسترو بمعطفه الأخضر هناك يدخن سيجاره الشهير ويجلس على كرسي على باب احد المقاهي، أو ربما يجدون شعارات الثورة الكوبية وأدبياتها وأناشيدها في الحارات المنهكة الفقيرة، على الرغم من ان الجميع يعلم انها مدينة للاجئين الذين من المفترض أنهم هربوا بعد الثورة ومنها، لكن الناس يأتون ليروا الثورة ويسألوا عن البلاد الغامضة التي بقيت آخر قلاع الرفض في مواجهة اكبر القلاع.
تملك الرأسمالية قدرة عجيبة وهائلة على الاستفادة من كل شيء حتى ذكريات الناس أو همومهم، نضالات الأعداء، رموزهم، أناشيدهم، ووجوه قادتهم، أولئك الذين يقتلون ثم يتحولون الى متحف أو مزار يدر الأموال، الم يصبح وجه الثائر الاممي الشهير"تشي غيفارا" رفيق فيدل القديم، أغلى وجه في العالم ليس بالقيمة الإيديولوجية أو بأشواق الأممية لأبطالها، بل بالقيمة المادية التي حولته الى سلعة وعلامة تجارية منافسة، ووفرت له خطوط إنتاج متكاملة للقمصان الشهيرة والملابس والقبعات التي شغلت ولا تزال أكثر من جيلين من الشباب في جهات العالم كله!
الم تحاول بعض الشركات الغربية ترويج صورة أسامة بن لادن على القمصان وبالطريقة الجيفارية ذاتها بعد أحداث أيلول 2001م، لكن اعتبارات أخرى منعت الاستمرار في بناء خيال ترويجي حولها، يبدو ذلك في ضوء ما قيل عن ملامح حزن وغموض تلف وجه الشيخ ما يجعله صورة ملائمة لبناء خيال ترويجي قد يتجاوز الثائر الاممي السابق.
في هافانا الصغيرة يمكن ان تجد كل شيء يمت بالصلة الى كوبا يباع على شكل  هدايا وتذكارات، يمكن ان تجد العلم الكوبي والفواكه الكوبية والسيجار وكل شيء يباع بنكهة الثورة وحكاياتها التي يرويها شباب ورجال اغلبهم لا صلة لهم بالثورة، الشيء الوحيد الذي لا يمكن ان تجده في المتاجر الكوبية المهاجرة هو صور فيدل كاسترو، بينما تحتل صور اوباما، أسواق الحي الكوبي، وتنتشر شعارات حملته الانتخابية، أليس كله تغييرا؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد