جاءت زيارة الملك الى بغداد مطلع الأسبوع لتؤكد حقائق ثابتة في العلاقات الأردنية العراقية مفادها أن الجغرافيا والتاريخ في الحالة الأردنية العراقية أكبر وأثبت من السياسة اليومية ومن أمزجة النخب السياسية وهواها ، فالعراق الذي يدخل في هذه الأوقات حقبة التشكل السياسي الحقيقي بأمس الحاجة الى عمقه العربي ، والخطوة الأردنية الأخيرة هي بمثابة كسر للجليد العربي الذي صنعته حقبة سادها من الجانب العربي حالة من البلاهة والسلبية السياسية نتيجة عدم القدرة على المبادرة ومجاراة السياسة الكثيفة التي تمر بين العواصم الإقليمية والدولية وعدم القدرة على إدراك اتجاهات الأحداث والتغيرات الكبرى التي تركت العراق ضحية الاستقطابات الإقليمية والدولية المعروفة .
وكما كانت زيارة الرئيس العراقي جلال الطالبني لأول عاصمة عربية لعمان في شهر أيار من عام 2005 ، كانت زيارة الملك لبغداد ، لتعيد الحرارة لطريق عمان بغداد الذي لم يغلق رغم سخونة الأحداث وقسوتها؛ فالجغرافيا والتواريخ الطويلة التي شهدت تراكم أجيال من حركة الناس وشكلت وعيهم وإحساسهم بالمصالح والمخاطر، هي التي تصنع الأجهزة العصبية للدول والمجتمعات معا .
هناك علاقات يخبرنا عنها التاريخ لا يمكن أن تتغير باختلاف القيم السياسية وتبدلها، خذ على سبيل المثال سلوك ألمانيا وسط أوروبا ومشروعها التاريخي الثابت في المجال الحيوي، وان اختلفت أدوات التعبير عنه من بسمارك مروراً بالاستراتيجية المكشوفة في عهد هتلر وصولاً الى المستشار الأخيرة ميركل، هي حقائق الجغرافيا السياسية ذاتها في إدارة الوعي التاريخي للدولة الفرنسية من نابليون الى استراتيجيات ديغول وصولا الى الطموح الاستراتيجي الذي تعبر عنه ملفات ساركوزي الأخيرة ، أذن هي قيم الجغرافيا السياسية والاستراتيجية للدول والحضارات وما تمنحه لتفاعلاتها من أبعاد مجتمعية تصنع التاريخ ولا يمكن تجاوزها، وهو الحال بصياغة أخرى في النموذج الأردني العراقي. فمنذ حلف بغداد ونوري السعيد وظلال الحكم الهاشمي في العاصمتين، مروراً بانقلاب 14 تموز 1958، وقدوم وخروج تيارات متعددة وصولاً الى استقرار الأمر للبعثيين طوال الحقبة الماضية، حافظت صيغة "عمان- بغداد" على واحدة من أوسع وأكثف التفاعلات السياسية التعاونية دون أزمات حقيقية ترصد، سوى أزمات آنية سرعان ما يتم تجاوزها. وحتى في أوقات انخفاض حرارة العلاقات الرسمية، لم تكن التفاعلات الشعبية والاقتصادية تتأثر كثيراً بذلك. وفي القراءات السياسية التقليدية للتحالفات العربية، التي تقسم فيها العواصم الى مصفوفات متقابلة في أوقات الحروب العربية الباردة، ووفق المصالح المتبادلة، ترد صيغة "عمان- بغداد" مقابل "دمشق- القاهرة"، ثم "عمان- بغداد" مقابل "دمشق- الرياض"، واحيانا "عمان- بغداد- القاهرة" مقابل "دمشق- طرابلس- طهران"، وهكذا في مصفوفات لا تنتهي من التبدل في أمزجة العواصم، كان الثابت الوحيد فيها صيغة "عمان- بغداد".
إننا معنيون بالحفاظ على صورة الأردن بدون تشويه في أوساط العراقيين، من جماهير ونخب ومثقفين وقادة رأي وعشائر، الذين يعانون موتاً بارداً وميلاداً صعباً وعسيراً، في واحدة من أقسى وأدق لحظات تاريخهم. فالرهان الأردني يجب أن يتوجه نحو مستقبل العراق وليس نحو حاضره وحسب، ويجب أن ندرك أن العراق يتشكل في هذه الأثناء بعد مسارات الفوضى والخراب ، وان ندرك أيضا ان مسار القضية العراقية والاحتلال ستشهد تحولات ربما أسرع مما نتوقع ، مما يعني ضرورة الالتفات والرهان على إعادة بناء وتمأسس التقاليد والقيم السياسية العابرة للحدود بين البلدين، وهو الأمر الذي سيأخذ في الحسبان الكثير من الود العراقي للأردن في الأوساط العامة، وبين العشائر وعلماء الدين والمثقفين وقادة الرأي. إلى جانب ذلك، ثمة رأي عام عراقي مناوئ للأردن، ويحمّله جزءا من مسؤولية وممارسات النظام السابق، لن يتراجع بسهولة وسيبقى حاضراً ولو لوقت قريب يحتاج قراءة جديدة ومتأنية ومعالجة أخرى ، لا تغلق الأبواب ولا ترفض خيار الانفتاح وسماع صوته حتى وإن كان فيه غصة .
على الجانب الآخر، فلقد آن الوقت للنخب العراقية أن تقدر أن بلادها لا تزال تحت الاحتلال وأن التعلل بحيرة العرب وصدودهم لن يبرئها أمام الأجيال العراقية الصاعدة التي تشهد كل يوم حجم الخسران الذي تدفعه من رصيد الهوية ومن موقعها على خرائط العالم ، كل ما يحتاجه العراق أن يحيا كدولة طبيعية تتعامل مع مجالها الحيوي وفق حقائق الجغرافيا والتاريخ والهوية وما تفترضه من مصالح وعواطف لا أكثر ولا واقل .
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد