حينما يحصل الموظف على تقاعده الوظيفي ويجلس في البيت، عليه إقامة حفل توديع حقيقي للحياة، وعليه أن يستعد الى انهاض دُربة روحية خاصة في التعامل مع

الوقت النهاري وتوزيعاته، مثلما عليه أن يُنهض دُربة التعامل مع ليله الطويل أيضاً.

فالمتقاعد الذي كان يستيقظ فجراً ويقوم بكل الاستعدادات ليومه الوظيفي، تاركاً ام الأولاد في فراغ بيتها، فرحاً بانخراطه الوظيفي الذي يمتد حتى الثالثة مساء، عليه الآن النهوض صباحاً في وقت حيادي لا معنى له، ذلك أن ما من جهة طالبته بالنهوض سوى سأم جسده من النوم وعليه أن ينخرط في مراقبة تفاصيل بيتية لم يعهدها في نفسه، فهذه المرة الأولى التي تتاح له مراقبة زوجته في توزيع وقتها البيتي في العمل، وهذه هي المرة الأولى التي تتاح له الفرصة في مراقبة أثاث بيته بمثل هذه الجدية في التحديق، مثلما عليه ان يلاحظ أنه يتابع تفاصيل بيتية هرمة على الأرجح سوف تجعل الزوجة تلعن «سنسفيل» اليوم الذي أحيل فيه زوجها إلى التقاعد.

والمتقاعد إن غامر وخرج من بيته و استقل حافلة متجهة لوسط البلد الى اي «مول» كي يتبضع، سيجد انه ملاحق بنداءات مثل «عمو» و»ياحاج» وفي النهاية سوف يُدرك

أن مجتمعاً بكامله يدفعه الى الهرم وربما الى القبر. ولأن العمر صار في العقد السادس فان كل الدفوع عن الروح وشبابها سيبدو محض هراء.

والمتقاعد الذي قذفته دائرته هو وضمانه الوظيفي الى البيت، على الأرجح أنه سيبحث عن علاقات ماتت في روحه منذ أمد بعيد، محاولاً بث الحياة فيها من جديد، ان حدث هذا فعلاً ووجد صديقاً أو أكثر فان معظم الاحاديث سوف تقوم على نبش ذاكرة معبأة بالموتى.

والمتقاعد سوف يبدأ وحينما يحاصره الضجر بالفعل، بالتسريع في تزويج ابنائه وبناته، كي يُكثف الطوق الاجتماعي حوله، لينخرط من جديد مع مصاهرات ووجوه

جديدة، وعلى الأغلب سوف يحاول قراءة صفحة الموتى عند كل صباح كي يصطاد عزاء يمكنه من قضاء يومه بالمصافحة في تقبل العزاءات أو تقديمها.

والمتقاعد الذي اقترف بحقه فعل التقاعد عن العمل يعي تماماً بأنه حين بدا يخال جسده- الذي صار يتوعده بالضغط والسكر والشحوم الثلاثية- أنه أقدم على الخطوة الأولى الذاهبة باتجاه القبر.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور