لقد استطاعت ثقافة الصورة أن توقع انسان عصرنا الحالي، وتستدرجه نحو شباكها العنكبوتية الخانقة، فذهب انسان العصر وهو مُدجج بفرحة طفل حصل على لعبة مدهشة للتو، ودخلت روحه في هذه المتاهة التكنولوجية بنوع من العُري الروحي الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ. نعم لقد دخل انسان عصرنا في الاشتباكات التكنولوجية لمواقع الفيس بوك والتويتر والجحور الاليكترونية التي تسمى بالايميلات، وصار لكل واحد منّا موقعه وعنوان بريده المُصمّت. الذي يكشف أدق الخصوصيات التعبرية عند بعضنا البعض.
وتتعاظم المشكلة في تعري الروح الانسانية وفقدان الخصوصية، التي اعتاد الانسان التخفي خلف ساترها الترابي، حين نكتشف أن مواقع دولية مثل «جوجل» و»الياهو» أصبحت تمتلك كماً هائلاً من معرفة كل الخبايا التي تخص الانسان في مراسلاته اليومية، الى الدرجة التي أصبحت فيه هذه المواقع تعرض بضاعتها المعرفية المُخزنة على أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية كي تغذيها بمعرفة كل شيء عن أي شخص او عن أي مجموعة تريد. وقد تناولت وكالات الانباء قبل عام تقريباً الارقام الفلكية التي طلبتها مثل هذه المواقع كثمن للمعلومات التي تخزنها عن كافة شعوب العالم وبكل اللغات. وهذا يعني ببساطة أن سرية وخصوصية البشرية جمعاء باتت سلعة يمكن أن تُعرض للبيع
|
والأمر لم يعد يخص الافراد وحدهم وسريتهم الخاصة بل بدأ يصل الى فضح معلومات سرية تخص الدول والهيئات الدبلوماسية والسفارات كما حدث في فضيحة وثائق «الويكلنس» التي كشفت عن مراسلات تمظهرت بشكل الفضيحة المدوية للعديد من الدول.
وتعاظمت الامور حين افرزت ثقافة الصورة والمواقع ظاهرة «الهكر» وقراصنة الانترنت، الذين باتوا يمتلكون قوى عقلية جبارة قادرة على اقتحام أعقد الشبكات الاليكترونية وفك شيفرتها وتدميرها احياناً بالفايروسات، واختراقها وتعطيل منظوماتها السرية جداً.
والحال فان عصر ثقافة الصورة وتفشي المواقع بات يمتلك القدرة على تفجير اسوار الوحدة والانزواء وهتك السرية الخاصة التي ظل الانسان يتستر عليها عبر قرون طويلة. وهذا يعني ان الهبل البشري الذي انغمس بدهشة طفولية مع هذه النقلة التكنولوجية قد جعل قرننا النيء هذا يدخل في العري والفضيحة، وكشف المستور. وربما هذا ما سيجعل البشرية جمعاء تسعى وتبحث عن سرية أخرى تكون عصية على الكشف. وهذا هو المستحيل بعينه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |