إنه الجنرال ثلج؛ وحده من يستطيع أن يحتل الأمكنة ببياضه البهي عى هذ النحو من البياض الناصع حد النقاء المطلق في اللون. وحده من يستطيع عبور سماء الكرة الأرضية منبثقاً من مناطقه القبطية في كتل هوائية متلاحقة تُربك الأرصدة الجوية، وتتجاوزجميع المجسات الجوية لتربك التوقعات.

إنه الجنرال ثلج؛ الذي حطّ بقامته وبرتبه العسكرية الفضائية ذات اللون الغمامي، فبدت الغيوم وكأنها تعبت من إقامتها الطويلة في أعالي السماء، فتحولت الى ندف بيضاء، تتساقط احيانا بحبيبات صغيرة وحينما تغزوها رغبة العناق مع الأرض تتحول الى ندف كما الفراشات البيضاء المتكاتفة في معزوفة تساقط متسارعة من النادر اصطياد منظرها المدهش.

إنه الجنرال ثلج؛ الذي استطاع بفضل شيبه المائي الأبيض ان يتساقط بمثل هذا الحنو الجميل، على أسطح العمارات والبيوت، وعلى الأبنية العتيقة التي قضمتها الرطوبة ووحدة الانزواء المناخي فتسلل برشقه الثلجي الذي استمر لمدة يومين متتاليين، الى أدق التفاصيل في البناء الذي أعيت نوافذها وجدرانها وسطحها المنسي الوحدة.

إنه الجنرال ثلج؛ الذي جعلنا ننهض صباح الأربعاء كي يُعيد لنا دهشة طفولية كنّا اعتقدنا أننا ودعناها مُنذ أمد بعيد. دهشة جعلتنا نفرح للمساحة المتاحة من النافذة البيتية كي ترينا الشوارع المسفلتة بيضاء لا شية فيها ، الشوارع التي هجرتها السيارات الجاثمة على جانبي الشارع كحيتان مجمدة. بينما السطح الأملس الأبيض الذي يغطي سطح الشارع يبدو دون أي خطوة بشرية، وكل هذا يبدو مصاناً بحراسة الأشجار التي بدت بانحناء أغصانها المثقلة بالثلج وكأنها تؤدي تحيتها الشجرية للجنرال ثلج.

إنه الجنرال ثلج؛ الذي أيقظ كل هذا الفرح الطفولي عند اطفالنا فجعلهم يرتدون ملابسهم السميكة ومن ثم يخرجون بأرجل مرتعشة كي يتراشقوا بالثلج بقبضاتهم الصغيرة. إنه الجنرال الأبيض الذي أمسك بأيدينا نحن الكبار وهز أرواحنا المثقلة بالاعمار كي يُعيد لنا ذاكرة ثلجية كانت تجعل بنت الحارة المُحصنة في علاقة الحب من طرف واحد، تخرج عن وقارها العائلي كي ترشقنا بتكويرتها الثلجية وتختبئ

إنه الجنرال ثلج؛ الذي اعتقلنا في بيوتنا ليومين متتاليين، هاهو وحين خرجت أشعة الشمس من خلف الغيوم البيضاء، ينسحب بهدوء ويذوب بهدوء. هدوء جعلني أهتف بطفولة :»الى اللقاء أيها الجنرال الجميل؛ الذي غسل أرواحنا بكل هذا البياض».


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور