ما زلت أذكر كيف كانت مجرد فتاة غبية في الثالث اعدادي تقرا كتابها المدرسي على سطح بيتهم جيئة وذهابا، كيف كانت تمتلك القدرة بنظرة وبتحريك غرة شعرها المنساب على جبينها الوضاء، تجعلني أفقد صوابي العاطفي كي ألتحق باول أغنية عاطفية للعنليب الأسمر عبد الحليم حافظ،، وأبدله الارتعاشة العاطفية والشجن وانا أستذكر تلك الحركة النزقة لشعرها الجميل.
وما زلت اذكر كيف كانت امراة كاملة الدسم الانوثي تفتح بوابة دارها وهي تدلق الماء امام بيتها وتمنحني تلك النظرة الشهية. كيف كانت قواي الحسية ترتعش كي أحتل ذلك الشارع من اجل الحصول على تلك النظرة الأعطية مرة أخرى. مثلما اذكر تماماً أن نسوة كثيرات أخذنني من يدي نحو الكتابة الشعرية المبكرة واجتراح الرسائل الغرامية. والسعي للاقامة الدائمة في مساحتهن الأنثوية.
وضجة المشاعر العاشقة التي كانت تكهرب روحي لم تكن ترتبط فقط بالمرأة، بل كانت تجعلني أغرق في حب الأمكنة والشوارع والميادين والأزقة والباعة والحقول والاشجار والحوانيت وتقلب المناخات بحيث كان للصيف طعمه الخاص والشتاء والربيع والخريف أيضاً ايقاعهما الخاص بحيث أنني كنت أدرك الفصل في أول يوم له بحيث اني كنت احس أني أتنشقه في جرعته المناخية الولى.
وكانت روحي تتكهرب فرحة مرتعشة من حضور الاقارب والاعمام بعباءاتهم التي تبعث رائحتها الهرمة على الطمانينة، وخصوصاً حين تكتظ أنسجة خيوطها برائحة دخان « الهيشي» وكنت أفرح لهرجهم الرجولي وشفاهيتهم التي كانت كثيراً ما تقودني الى النعاس الطفولي الجميل.
وما زلت اذكر الصباحات القهوائية وصوت فيروز وفرحة توقع حضور بعض الاصدقاء وطلتهم التي كانت تبث قوة معانقة الحياة في روحي، وزلزلة الراكد بالنقاشات عن الاوطان والاحزاب والخيانات وعذابات المثقف العربي عموماً، حيث كنّا نفرح لاكتشافاتنا الذهنية المبكرة.
ما زلت اذكر ليالي السمر حيث صوت العود يدندن وهمس الكمان وصوتي الذي كان يجلجل بالغناء للحياة القادمة، وصوت الأصدقاء الذين كانوا يلقون القصائد المنتقاة التي تشعل الوجدان لتقودنا الى شهقة البكاء.
الآن وأنا أجلس وحدي كأسد هرم واتطلع حولي وأنا اعاني من وحشتي الكونية هذه اسال بحرقة: من سرق مني كل هذا وكيف يمكن لعاشق ان يأخذ الدرس الأول في مقت وكره الحياة.
كيف؟
| .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |