يحار المرء وهو يحدق بهذا الدفق المعرفي الذي خلفته ثورة الصورة وثورة المعلوماتية في العالم وفي الوطن العربي عموماً، بينما يرى المواطن العربي وهو يقفز عن كنز المعلوماتية في كافة المجالات المعرفية، كي يضع لافتة على رأسه تقول بأن هذا الراس للايجار.

نعم راس المواطن العربي بات لا يختلف عن شقة مفروشة جاهزة لاستقبال كل هرطقات العصر بعيداً عن الهموم التي تهدد لا الرأس فقط بل الجسد العربي بكامل دسم حيزه، فالساسة ما زالوا يهدرون دم هذا المواطن في معظم العواصم العربية بحكم الحفاظ على المقعد الرئاسي، والحفاظ على امن الوطن. والفضائيات العربية المختصة بشان الدم العربي المسال تتفنن كل يوم في إيضاح مشهد الدم والمذبحة. لكن ما من مجيب وما هناك أي استنفار للراس العربي الذي قام بتأجير رأسه لكل الترهات السائدة.

نعم المواطن العربي اعطى راسه بالكامل للهاتف الجوال وشراء النغمات النادرة، وبات الجهاز وكانه اللجام الملتصق بفم المواطن، من أجل تبادل الرسائل السخيفة والأشعار التي هي أكثر سخفاً، ومن اجل توسيع مساحة الضغينة والنميمة.

نعم المواطن العربي منح رأسه بالكامل لكل قنوات الدراما التلفزيونية العربية، وهناك عائلات تضبط توقيت يومها على بدء هذا المسلسل أو ذاك. وهناك قنوات مختصة ببث حلقات الدراما تعيد عرض المسلسل الدرامي اكثر من مرّة، بحيث تحولت بعض المسلسلات الى جزء من الذاكرة البيتية.

اما عن قصة تأجير المواطن العربي رأسه للمسلسلات التركية المارثونية في عدد حلقاتها التي تتجاوز في العادة مائة حلقة فحدث ولا حرج. الى الدرجة التي صرنا نتفنن في سماع ومشاهدة هذه المسلسلات لتتحول الى محاورات تشغل الرأي العام العربي خارج المساحة التلفزيونية للمسلسل.

وما دام المواطن العربي قد قدم رأسه بهذه المجانية الموجعة للفضائيات وبرامجها فقد بات من الطبيعي ان ينشغل الوطن العربي باجمعه في متابعة برنامج «أرب ايدول» الذي تتنافس فيه بعض الاصوات الغنائية الشابة من مختلف الاقطار العربية. والغريب ان مثل هذا البرنامج ياخذ مساحته بين الرؤوس المستأجرة ابتداء من انتهاء الحلقة وحتى بث الحلقة التالية في الاسبوع الذي يليه. نعم المواطن العربي لم يكتف بتأجير راسه، بل والحق يقال بانه باعه وبأبخس الأثمان.

وحسبي الله ونعم الوكيل.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور