يبدو التحضر أحياناً وكأنه يشبه الشخوص في تقلباتهم وامزجتهم وحنينهم لطفولتهم وشقواتها، ويبدو العصر الذي نعيش هو الآخر يعاني من رغبة حميمة في الحنين الى الطفولة في مراحلها الزمنية، ومحاولة استحضارها وتخليقها من جديد.
ومن يشاهد النتاجات السينمائية الجديدة التي تكلف في انتاجها ملايين الدولارات، تلك النتاجات التي تعتمد في مضمونها السينمائي على الخيال العلمي واحتراب كائنات فضائية مع سكان كوكب الأرض سيتأكد من هذا العالم برغم من كل وقاره العالمي الذي يبدو فيه الا أنه يمتلك جنينية خاصة في أحشائه تطمح في العودة الى تشكيلاته الطفولية
|
وأنا هنا أتحدث عن كارثة «تايتنك» تلك الباخرة المعجزة التي تحدى مصممها القوى الربانية في عدم غرقها، وكان أن غرقت. وما حدث لاحقاً هو ان هذه الكارثة تحولت الى ذاكرة صبيانية في الوجدان العالمي بحيث بدت وكأنها الكارثة الوحيدة التي تعرضت لها البشرية.فعلى صعيد الانتاج السينمائي تحولت حادثة الغرق المروعة ل»تايتنك» الى فيلم سينمائي، استطاع أن يدر على الشركة التي أنتجته ملايين الدولارات، أما الأغنية والموسيقى التصويرية التي رافقت الفيلم فحدث ولا حرج عن أرباحها ومساحة توزيعها في العالم.
وفي هذه الأيام تستعد جهات تعرف كيف تنهب الجيب الغبي للعالم لتصميم ذات الباخرة بذات الحجم وبالابحار في الطريق ذاتها كي تمخر عباب المحيط من جديد، لا بل الاحتيال في استدراج الميديا العالمية ذهب الى الى استقطاب ركاب يشبهون الركاب الذين قضوا نحبهم غرقاً بالملابس والأزياء ذاتها.
الى هذا الحد بلغ العالم الأشقر المتحضر من الحمق الطفولي في استدعاء الحادثة والتركيز عليها من جديد على اعتبار ان كارثة «تايتنك» هي الظاهرة الوحيدة التي تكبدت فيها البشرية الخسائر في الارواح.
إنّ تكريس الاضاءة على هذه الحادثة يؤكد رغبة العالم العبثية في طمس الذبح الوحشي والمجازر الدموية التي دفعها فقراء العالم في جغرافيتهم المنهوبة بالاحتلال والاعتداء على حقوقهم. والمواطن العالمي أين ما ولى وجهه سيرى تدفق الدم البشري وهو يتوزع على سطح جغرافيا العالم.
إنّ رائحة الدم البشري المنبعثة هي أحق بكثير بالتركيز عليها لأنها باتت تزكم الأنف البشري بحيث تبدو كارثة «تايتنك» مجرد فكاهة امام الكوارث التي تسدد البشرية فواتيرها في كل يوم.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |