يبو انه وكلما جاور الانسان الطبيعة واقترب منها جغرافيا، كلما منحته طاقاتها وابتكاراتها الغامضة، هذا يحدث كثيراً على مستوى التنوع الطبوغرافي، فالشعوب التي تقيم في الصحراء لها مميزاتها الخاصة، ومن تقيم في الوهاد والوديان لها ميزاتها الخاصة أيضاً.
لكن الشعوب التي تقيم في الجزر، وتحديداً في تلك المناطق المائية النائية خلف البحار، حيث اليابسة التي تنبثق من رحم الماء المالح، فأن الطبيعة هانا تبدأ أكثر كرماً في منح الانسان قواها الخلاقة المتصالحة مع الطبيعة ذاتها.هذا ما تيقنت منه وأنا أشاهد برنامجاً وثائقياً عن إحدى الجزر، وأول ما لفت انتباهي هو تلك الخصوبة الشجرية والمائية التي تتمتع بها هذه الجزيرة، وتلك النضارة التي تغلف ملامح سكان الجزيرة، نضارة تطفح بالعافية والطمأنينة.
لكن المشهد الذي لفت انتباهي بحق هو اعتماد أهل الجزيرة في تخاطبهم اليومي على «الصفير» كبديل للكلام. وقد عرض الفيلم الكثير من المشاهد التي يتخاطب خلالها أهل الجزيرة فيما بينهم وذلك بغض النظر عن المسافة التي تبعد الواحد منهم عن الآخر. وأكثر ما أدهشني هو قدرة لغة الصفير على إرسال أدق الجُمل وأعقدها.
من هنا بدأت التداعيات تفعل فعلها في رأسي، ذلك أن التغريد الذي تطلقه الطيور ليس تغريداً كما نعتقد نحن، بل هو لغة متبادلة بين هذه الطيور، لا بل أن الأصوات التي تطلقها الحيوانات هي لغة مكتملة المفردات التعبيرية عن حالها وأحوالها.
والتداعي الآخر الذي انتابني هو فكرة هو أن سكان هذه الجزيرة استطاعوا أن يستريحوا من ضجة الصوت الانساني، بكل ما تحمل ايقاعات هذا الصوت من ثقل في الاحبال الصوتية، وبكل ما يمكن أن يحمله صوت انساننا من قدرة على الثرثرة وايقاظ الضغائن، وانهاض الحروب بالخطب الانشائية ذات البلاغة الصوتية الناهبة لأذن المستمع اليها.
وقادتني تداعياتي الى أن تقوم جهات دولية باعتماد هذه اللغة، ومحاولة ارسال مجموعات من كل دول العالم للذهاب الى تلك الجزيرة من أجل تعلم لغة الصفير، وتعميمها كلغة إضافية للغة الأم في كل دولة
| ولكم بعد تحقيق هذا النهج «الصفيري» أن تتصوروا مدى الراحة التي ستنعم به شعوب العالم وهي تستمع الى الصفير النقي الهواء الذي سيطلقه الانسان بعيداً عن كل هذا الضجيج الصوتي التي يطلقه سكان الكرة الارضية صبح مساء.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |