على الرغم من كرهي المُزمن لدرس الحساب والرياضيات عموماً طوال أعوامي الدراسية الأولى، ما زلت أذكر وقوفي ذات صباح امام مدرس الرياضيات وأنا أسأله» أنت يا أستاذ تعلمنا عن»سين» وص» « يا أستاذ تدرسنا حصة الجبر ودروسها الا اننا حينما نخرج الى الحارة والأسواق لا نجد لا «سين» ولا «صاد» ولا حتى «سين تربيع».
أذكر يومها أن طلاب الصف ضجوا بالضحك من هذه المفارقة، بينما الاستاذ حدجني بنظرة توعدية قائلاً» غداً عندما تكبر يا خليل ستكتشف أن صناعات كثيرة وأهمها صناعة الصواريخ والمركبات الفضائية قائمة في الأصل على المعادلات الجبرية».
وأذكر اني فرحت كثيراً ذات حصة صباحية وأنا أتابع درساً في الحساب عن «الاختصار» حيث علمنا الاستاذ كيفية اختصار أرقام كبيرة الى أرقام صغيرة جداً، وذلك بمنطق رياضي لا يخلو من المرح الرقمي.
لكن ما زاد حالة الدهشة الطفولية عندي لا حقاً هو ان الاختراعات التكنولوجية جميعها تحولت وبشكل تدريجي الى تحجيمها وتصغيرها ومنحت قوة الاداء عن طريق الاختصار. فالراديو الذي كان بحجم نصف كنبة صغيرة ظل يصغر في حجمه الى أن صار بحجم الكف، حيث نزعت عنه قدسيته البيتية، وتلك المساحة التي كان يحتلها في بيت العائلة، وصار يمكن أن تضعه في جيبك وتسمعه في أي مكان
|
وحينما ظهر جهاز التسجيل بحجمه الكبير وببكراته البلاستيكية و تحمل الأشرطة التي تدورامامك، تحول الى جهاز صغير متحد مع جهاز آخر هو الراديو.
وحينما ظهرت ثورة الصورة بكل تجلياتها التكنولوجية صار الاختصار في مسلكياتنا الحضارية أكثر اختصارا، وظهرت الشبكة العنكبوتية التي محقت البريد وصناديقه المعدنية وحتى ساعي البريد، وصار التواصل البشري بمجمله يعتمد على التواصل عبر الانترنت وصفحات الفيس بوك والتويتر.
والأعتى من ذلك كله تفريخ المواقع الاعلامية التي صارت تتحول في مواقع مقترحة الى صحف يومية وحتى آنية، وذهب الأمر الى أبعد من ذلك حيث قامت صحف عالمية عريقة الى الغاء ظهورها الورقي والاكتفاء بالموقع الالكتروني، وصارت فكرة اختفاء الكتاب الورقي وتحوله الى أقراص مدمجة فكرة واسعة الانتشار عالمياً.
والحال أن العالم بمجمله ولدّ حضارة مكهربة خاضعة للاختصار في كل مناحي الحياة، وهذا ما يجعلني أفكر أحياناً بدرس الحساب الذي تعلمناه ذات صباح مدرسي، وها أنا أهمس لنفسي قائلاً:» ياالهي كم كان ذاك الدرس نبوءة عن حضارة قائمة تقوم في أساسها على الاختصار | | ».
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |