كانت الافلام العربية بلونيها الأسود والأبيض تظهر لنا في الكثير من مشاهده بطلة الفيلم والتي تكون على الأغلب الفنانة «ماجدة» وهي تقف على كورنيش النيل بهدف القاء نفسها في مياه النيل العميقة بهدف الانتحار، وكنا نحن كمشاهدين نتمسك بالمقاعد قهراً ونخن نراقب حركة الكاميرا وهي تطيل لنا مسافة الوقوع في الماء وارتباك ملامح البطلة، وانتظار المنقذ، وفي النهاية وحين تهم بالقاء نفسها، نلاحظ حضور بطل الفليم وهو يشدها من الخلف كي يغيبا في قبلة ملتهبة، ويثنيها عن الانتحار.

هكذا كانت تتلخص صورة الانتحار عند جيلنا، وهكذا فاننا كجيل كامل الدسم في الرومنسية وتداعياتها لم نشهد انتحاراً حقيقياً.

وفي هذه الأيام التي نعيشها صارت صحفنا اليومية تنشر اخباراً عن محاولات انتحارية في غير مدينة أردنية، بحيث تحولت بعض هذه المحاولات الانتحارية الى ما يُشبه الموضة أو الصرعة.

وفي الدخول الى تفاصيل المشهد نلحظ، أن الشاب أو الفتاة يختار مكاناً عالياً يصعده بنوع من اللصوصية والاختفاء، فهو اما أن يختار بناية ذات طوابق عالية، أو يختار أحد الأبراج الهوائية العالية، والنقطة الخبيثة في هذا المسلك أن الشخصية التي تنوي الانتحار، وحين تتخذ مكانها الذي يوفر لها الانتحار بكامل شروطه المؤدية بالتأكيد للوفاة، فإنها لا تقدم على هذه الفعلة الكافرة بشكل مباغت ومروع، بل تنتظر حتى يكتمل النصاب الجماهيري المساق بالفضول، أو حين تحضر الشرطة وتبدأ بمخاطبة الشاب أو الفتاة عبر السماعات الصوتية العالية وهي ترجوه أن يكف عن هذه الخطوة المميتة. وعلى الأغلب يحضر بعض الرجال من الشخصيات الاعتبارية وهي تسأل عن السبب.

الى ذلك يبدأ الشخص بتعداد المصائب التي ساقته الى هذا الموقف، وعلى الأغلب تكون المطالب فكاهية ولا تستحق أن يغامر بروحه. كأن يطلب الشخص الموافقة على تزويجه من تلك الفتاة التي يحبها، واقناع اهلها بذلك، أو أن يطلب تسديد بعض الديون التي لم يستطع تسديدها، أو الاسراع بتحقيق راتب المؤونة الاجتماعية.

إن ما يجب الاقدام عليه وفعله في هذا المقام، هو أن تقوم الشرطة بفض الاحتشاد الجماهيري في منطقة الانتحار هذه، ومن ثم مخاطبة الشخص وبصوت واضح «هيا افعلها ان كنت بمستوى هذا الخيار، هيا افعلها وانتحر أيها الجبان».

وصدقوني أن لا أحد من هؤلاء الذين صاروا يسوقون علينا «موضة الانتحار» سيقدم على تلك الفعلة.

لأن المنتحر الحقيقي ينسحب من الحياة دون أي ضجة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور