هذه الأيام وفي لحظة التشابك العمياء بين مجمل المرجعيات الفكرية والوجدانية التي تتصل حمى التعامل مع المجتمع المحيط، واختلاط الحابل بالنابل وعلى كافة الصعد، شعرت أن الأرض تتزلزل تحت قدمي وتنزلق، وكان عليّ أن أسرع في انقاذ نفسي من هذا التهور العام، وكان أول شيء فعلته هو العودة الى القراءة.
نعم، القراءة خندقي الأخير الذي وكلما ألمت بي مصيبة فكرية وعقائدية عدت اليها، لكي أعاود امتلاك زمام روحي، و جعلها تسير على السكة الفولاذية التي لا تحتمل الختل.
وبالمناسبة فان المثقف العربي عموماً كان بدأ يكف عن القراءة الفكرية والأدبية على اعتبار أنه بلغ من العمر القرائي، مايكفيه ليظل في المشهد الثقافي دونما أي ارتباك. وهذا ما يُمكن تسميته ب «التقاعد القرائي»، حيث بدأ يشعر البعض ان القراءة قد سلبت عمره ورمته في حقل من العماء، وأن مايختزنه عقله من القراءة والمعرفة، هو أكبر بكثير من ثقافة المجتمع المحيط به، والذي لا يقرأ على الاطلاق
|
وعلى صعيد تجربتي الشخصية ومن خلال عودتي للقراءة المكثفة اكتشفت أن القراءات القديمة للعديد من الكتب التي قرأتها ما هي الا تجربة يمكن تسميتها « المراهقة القرائية»، تلك المراهقة التي كانت وحينما ننتهي من كل كتاب نشعر بالقيمة التعزيزية لذواتنا، وافتخارنا بهذا التمايز القرائي | |
ولا أبالغ ان قلت: ان معظم الكتب التي عدت لقرائتها هذه الأيام قد صفعتني بما تحويه من كنوز بديعة ونادرة، وأن انطباعي المُجمل عن أي كتاب كان يمكن تلخيصه بما لا يزيد عن ثلاثة أسطر، وهذا التكثيف في تشكيل الانطباع عن الكتاب له علاقة بالمراهقة القرائية، الذي له علاقة بفكرة التفاخر والاستعراض القرائي أكثر من علاقته بالقراءة العميقة والجادة البناءة.
إن المثقف العربي الماركسي اكتفى وفي وقت مبكر بقراءة كتاب راس المال وكراسات لينين وبعض مؤلفات كارل ماركس، واكتفى المثقف العربي القومي بقراءة كتب ساطع الحصري وميشيل عفلق، بينما اكتفى المثقف الاسلامي بكتابات سيد قطب وكتب باقي رموز الدعوة الاسلامية، بينما اكتفى المثقف العربي الليبرالي بقراءة الكتب الخاصة بالمدرسة الوجودية، وباقي المدارس الفكرية التي لا تحث على الالتزام | | .
أعترف أني أعيش أجمل أيامي هذه الفترة مع كتب كادت تتحطب في مكتبتي، وها أنا أرى حبر هذه الكتب يتوالد ويتخلق من جديد، وأن كل هذا يحدث بسبب القراءة التي أعتبرها الحائط الأخير والخندق الأخير أيضاً.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |