كان فجر يوم جمعة وكنت أمارس مشواري الصباحي في الشميساني متمتعاً ببهجة الفجر ونقاء الهواء وتلك السكينة الفجرية التي تغمر الروح برائحة الياسمين، وتلك الطمأنينة التي تغرق فيها بيوت الشميساني.
لكن وسط هذه العتمة الفجرية رأيت مشهداً لسيارة بيك أب من نوع ديانا، كان نصفها الخلفي يدخل في فتحة باب سور البناية، وكان ثمة انهماك لعمال وافدين، ولأني من مرضى الفضول، حاولت الاقتراب من هذه السرية التي تكتنف السيارة والحركة الدؤوبة للعمال. وكم كانت دهشتي حين لاحظت أنهم ينقلون أثاث إحدى البيوت الى السيارة، فكرت هل كل هؤلاء لصوص، يسرقون بيتاً غادره أصحابه لليلة أو أكثر، لكن سرعان ما تبددت شكوكي حين رأيت رجلاً يصيح بالعمال «هيا اسرعوا علينا ان ننقل كل الأثاث قبل بزوغ الشمس» وتابع « عليّ أن أعطي صاحب البيت المفاتيح بهدوء ودون مشاكل
| » قمت بمتابعة سيري وحينما عدت الى المكان وجدت السيارة وقد ذهبت بالاثاث وصاحبه وباقي العمال.
وقفت أمام البيت وأنا أحدق بنوافذه العارية حتى اليتم، وبتلك الجدران التي تبدو وكأنها قد تحررت من صور ظلت معلقة عليه لسنوات طويلة. كان البيت يُعاني من حالة من التخلي والغدر | |
لكن ما أفسد صباحي في ذاك اليوم لا بل في تلك اللحظة تحديدًا هو سؤالي لنفسي عن سبب كل هذه السرية في الرحيل؟ ولماذا كان يبدو الرجل وكأنه يحاول أن يتخلص من إثم ما؟
وكان عليّ في تلك اللحظة أن أتذكر ذاك الصباح التموزي الذي كنت فيه طفلاً حيث أغرتني شمس الصباح الساطعة في أن اخرج الى الحارة لأرى مشهداً كان يبدو لي كارثياً. حيث كانت تقف جارتنا «أم إدوارد» هي وزوجها «الدركي» أمام شاحنة معبأة بالأثاث البسيط وكن نساء الحارة يقفن حولها بشكل التفافي، وهن يصحن ويجهشن في بكاء جماعي وهن يهتفن بأصوتهن المجرحة بالبكاء «والله وبخاطرك يا أم إدوارد». وكانت أم إدوارد تبادلهن الشهقة ذاتها في البكاء والعناق.
وأذكر أن «ابو إدوارد» قد اضطر في النهاية أن يسحب زوجته من يدها ويذهبا معاً في تلك الشاحنة.
وكان عليّ أن أقارن بين رحيلين، مثلما كان عليّ أن أتحسر على المودة التي خسرناها في هذا الزمن. أعترف بأن المقارنة كانت جارحة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |