أستأذنكم أيها الأحبة في وضع هذا المزيج من كلمات عديدة مؤثرة، حاولت أن أؤلف بينها، وأحبك سبكها، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها،،
ثلاثة أبواب كبيرة يجب أن يردمها ويحكم إغلاقها كل من أراد السيادة والعلو والسلامة في دنياه وأخراه، إذا فتح أحدها لم يُؤمَن من انفتاح ما بعده، وتنفتح في الأعم الأغلب من أتفه الأشياء وأحيانا بلا سبب، وبابها الأعظم هو أولها فإذا أحكمته سلمت وأَمِنت منها كلها، و أصحاب القلوب الواسعة والنفوس الكبيرة والسابقون إلى المعالي في شغل شاغل في إغلاق هذه الأبواب؛ لأنهم يعلمون أنه لا رقي ولا رفعة ولا علو إلا وهذه الأبواب موصدةٌ محكمةُ الإغلاق.. فأرواحهم قد حلقت في فضاءات أرحب وميادين أسمى فلا يهتمون لصغائر الأمور ويتناسونها ويترفعون عنها، فهم في حذر دائم وحيطة بالغة من فتح هذه الأبواب؛ لأنهم يدركون أنه حتى أضخم الأبواب فإن مفاتيحها تظل صغيرة..
أما الباب الأعظم منها فقد جاءت الوصية النبوية في حديثٍ - من كلمتين-جامعٍ من جوامعِ الكَلِمِ بإغلاقه وإذابة مفاتيحه وإطفاء أسبابه وكررت الوصية بذلك ثلاثا؛ وصيةً نبويةً مفردةً لم تُخلَطْ بغيرها لعظمها وأهميتها، حتى مع حرص المُسْتوصِي ومحاولاته على الاستزادة من وصايا الخير، إلا أن الإجابة دائما كانت بتأكيد المُوصِي عليها وعلى إفرادها، فلا
يزيد على أن يقول للسائل:
((لا تغضب.. لا تغضب.. لا تغضب))
وهذا الباب يفتح إلى الباب الثاني وهو أقبح الأبواب الثلاثة وقد اجتمعت فيه أطراف الشر، وأخلاق الكبار تؤكد على البراءة منه وتوطن النفس في طريق ارتقائها وعلوها على طرحه وعدم استصحابه لخبثه ونتنه وشدة إضراره، ومن أدبِيَّاتِها وإنشاداتها في ذلك وهي تقطع الطريق قول الحادي:
الحقد داءٌ دفينٌ ليس يحمله - إلا جهولٌ ملـيءُ النفس بالعلل
مالي وللحقد يُشقيني وأحمله - إني إذن لغبيٌ فاقدُ الحِيَل؟
سلامة الصدر أهنأ لي وأرحب لي - ومركب المجد أحلى لي من الزلل
إن نمتُ نمتُ قرير العين ناعمـها - وإن صحوت فوجه السعد يبسم لي
وأمتطي لمراقي المجد مركبــتي - لا حقد يوهن من سعيي ومن عملي
مُبرَّأ القلب من حقد يبطئـــني - أما الحقود ففي بؤس وفي خطــل
نعم، إنه باب الحقد،، وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا.. كما قال المقنع الكندي
والبابان؛ الحقد والغضب، مسبوقان بكلمة "لا" في قاموس الكبار حيث تجد هناك في قاموسهم.. لاحقد.. وتجد قبلها.. لاغضب.. وتجد تحتهما تلك المُسَلَّمَةَ البشريةَ التي صاغتها عقول الحكماء وأثبتها الوحي في توكيد بليغ.. تلك المسلمة التي تقول:
لا يحْمِلُ الحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ الرُّتََبُ - ولا ينالُ العلى من طَبْعُهُ الغَضَبُ
عنترة بن شداد العبسي
وكما أن الغضب يفتح الباب إلى الحقد وينتجه فإن الحقد يفتح الباب الثالث وينتجه وهو باب الحسد، قال الغزالي في إحياء علوم الدين: "اعلم أن الحسد نتاج الحقد، والحقد نتاج الغضب فهو (أي الحسد) فرع فرعه، والغضب أصل أصله-أي أصل الحقد-"
والحسد مسبوق بِلاءٍ أيضاً من لاءات الكبار وأكد ذلك الوحي، وجعله الأصل ولم يستثن منه إلا ما يسميه العلماء الغبطة فقال رسول الله في الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود وابن عمر - رضي الله عنهما -: ((لا حسد إلا في اثنتين... )) فالغبطة مباحة أما حال الكُمَّلِ والعظماء فهي أيضا سالمة من الغبطة والمنافسة ونفوسهم مترفعة عنها مع أنها حلال هذا ما أفدته من كلامٍ لشيخ الإسلام - رحمه الله - يقول في ضمنه:
"وكذلك كان في الصحابة أبو عبيدة بن الجراح ونحوه، كانوا سالمين من جميع هذه الأمور، فكانوا أرفع درجة ممن عندهم منافسة وغبطة، وإن كان ذلك مباحًا؛ ولهذا استحق أبو عبيدة - رضي الله عنه - أن يكون أمين هذه الأمة.. "، وقال بعده بيسير: " وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس - رضي الله عنه - قال: كنا يومًا جلوسًا عند رسول الله فقال: ((يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة... )) و في آخره- قال: ما هو إلا مارأيت، غير أنني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشًا ولاحسدًا على خير أعطاه الله إياه. قال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق. فقول عبد الله ابن عمرو له: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق، يشير إلى خلوه وسلامته من جميع أنواع الحسد)).
وأخيراً إنها لاءات الكبار تظل محفورة في قاموسهم يسطرونها واقعا عمليا جيلاً بعد جيل وأمة بعد أمة..لاءات هي:
لا غضب..لا حقد.. لا حسد
المراجع
الموسوعة الالكترونية العربية
التصانيف
تصنيف :فنون أدب مجتمع الآداب قصة
login |