كنت وخلال أربعة أيام أحاول أن أتقصى ايقاع الخبر، وأثره على المجتمع الأردني ومؤسساته المدنية والاجتماعية، وردة الفعل الاجرائية واللوجستية على مثل هذه الحادثة التي ينز لها عرق الجبين الاخلاقي. لكن أي شيء من هذا لم يحدث، وبقي الخبر «ملطوعاً» بطعمه الحبري الموجع في ورق الجرائد والمواقع الاليكترونية، ووكالات الانباء عموماً.

وللدخول في المتن، أتحدث لكم عن الخبر الذي يقول: أن موظفاً في شركة الكهرباء الأردنية، كان يطالب بعلاوة يستحقها، أو بعمل إضافي يحسن من خلاله وضعه المادي، لكن مسؤوله في الورشة التي يعمل بها رفض ذلك، بنوع من التحدي الوظيفي والاداري لذاك الموظف، فما كان من الموظف الا أن يخرج من مكاتب الشركة ويقف أمام مبنى الشركة، ويدلق على ثيابه وجسده كمية من البنزين، ويبدأ باشعال النار في جسده، والموت احتراقاً حد التفحم

والحال ان المشهد الاحتراقي الشارعي الذي تم في وضح النهار الوظيفي وأمام حركة المارة والسيارت، وأمام باب الشركة حيث أحرق الرجل جسده، يعتبر بحق صفعة حضارية لنا جميعاً.

صفعة حضارية تستحق أن تجعلنا نتأمل في كل رئيس أو مدير قبل أن نجعله يتحكم في رقاب الناس ورزقهم.

فالرجل المتمترس فوق مقعده الرئاسي لورشة عادية، لم يكن يعلم أن تسلطه الوظيفي، وعدم تفهمه للوضعية الانسانية الشقية التي يعيشها الموظف الذي هو أقل منه شأناً ومنصباً، سوف يرتكب مثل هذه الحماقة المدوية في مشهدها وايقاعها. ذلك أن العادة جرت على أن يتم القمع همساً، تكون له آثاره التي تتبدى في امراض مثل الضغط والسكري، أو حتى الجلطة، وتنتهي الأمور كما جرت العادة سحقاً ومحقاً سرياً لصاحب المعاناة.

لكن المفاجأة التي أحدثها سيد المنتحرين العرب «البوعزيزي»، صارت تسري كالنار في الهشيم وسط مجتمعاتنا العربية، وصارت تفرز هؤلاء الشباب الذين وحينما توصد ابواب الرزق أمامهم بمثل هذه القسوة، وبمثل هذا التعمد، يقدمون على احراق اجسادهم وبشكل علني، حتى الموت والتفحم. وذلك ليحصلوا على حق الاعتراض العلني ولو لمرة واحدة وأخيرة.

أعترف وحين تم طي خبر احراق الموظف لجسده بهذا الشكل العلني الفاضح، أني شعرت بالحسرة، على كل الموظفين الصغار، الذين يصل بهم القهر الوظيفي درجة حرق جسدهم بهذه العلنية المفجعة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور