وضع جلالة الملك الكرة في ملعبنا جميعا. لكن الامور لن تسير على النحو التالي:
يستفيق المواطن من نومه، ويقول: منذ اليوم، أتوب الى الله عن طلب الواسطة من أحد. ويستفيق النائب ويقول: منذ الساعة، لن أتوسط من أجل كائن من كان. ويذهب المسؤول السابق الى جلسات النميمة، فيأخذ عهدا على نفسه ان لا يغمز من قناة زميل، وأن لا ينقل اشاعة، ولا يسمح لأي من الحضور بمسك "شلّ" الحكومة.
لن يتمكن الطامحون من ردع انفسهم عن استخدام المتاح من الوسائل للمزاحمة على المناصب، ولن يكف الساخطون عن تقزيم الانجازات وتضخيم القصور لتجديد فرصهم، ولن يكف النواب عن الضغط على الحكومة والوزراء من أجل خدمات ومصالح انتخابية، مثلما ان الضغوط اللاانسانية -حتى نقول الحقيقة- على النواب من المواطنين لن تتقلص تلقائيا.
ولعل النواب، وقد اتى الخطاب على ذكرهم بالاسم، مطالبون بوقفة مراجعة، لتقديم وجهة نظر حول كيفية التلاقي مع طموح جلالة الملك لدور مختلف، يخدم التنمية والتحديث. وكما علمنا، فقد كانت هناك جلسة تداول اوّلية، ضمّت عشرات النواب، عقب الخطاب مباشرة. وكان هناك توجه لإنضاج تصور ما في الايام القادمة، تصور يحدد فيه النواب ما لهم وما عليهم من التزامات. ففي مجال الواسطة، على النواب التزامات، لكنهم يريدون سلسلة من الالتزامات المقابلة لإغلاق الدائرة في كل نقاطها!
والمنافسة على المسؤوليات والمناصب تبقى من طبيعة البشر والمجتمعات، لكنها في اي مجتمع ديمقراطي متحضّر تقوم على المفاضلة بين رؤى وبرامج ووجهات نظر، تؤطّرها مؤسسات سياسية، وتزكّيها التجربة والانجاز والثقة الشعبية، ضمن آلية معلنة ومعروفة للجمهور، وليس كما يحصل عندنا؛ منافسة شخصيّة، وشللية ادواتها التشكيك والنميمة والاشاعة وتبادل المنافع والمصالح المكتومة وبناء المحسوبيات، وميادينها المجالس الخاصّة والتسريبات الصحافية. هذه الظواهر، التي انتقدها الخطاب الملكي، ترعرعت في بيئة نعرفها جميعا، وباتت من خصائص الحياة العامّة في الاردن، وهي لن تتغير الا بتغيير قواعد اللعبة التي تديمها.
ومن خصائص الحياة العامّة في الاردن، ان كل تشريع او اجراء يتقرر لابدّ ان يترك بابه مواربا، وبه شق أو ثغرة لا تغلق الطريق نهائيا على الاساليب والصلاحيات القديمة. ولن يتسع المقال لضرب الامثال، فهي في كل مجال، وهي اساس فشل الاصلاح. وهل نجرؤ مثلا على أنظمة في مجال التعيينات تجعل الواسطة والمحسوبية مستحيلة؟!
حان الوقت للخروج من انصاف الحلول، وعلى الاقل حين نقرر عملا فلننجزه كاملا، وليس كما نرى، مثلا، في مشروع قانون اشهار الذمّة المالية، او مشروع قانون مكافحة الفساد، الذي لا أدّعي اي رأي فيه، لكنه وفق وصف خبراء قانونيين، مشروع دعاية اعلامية لمكافحة الفساد!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري