ما سمعته مباشرة، وما نقل لي عن ردود الفعل، يؤكد ان خطاب جلالة الملك حظي بشعبية واسعة. وقد فرح الناس بانتقاداته، بل وابدوا مشاعر الشماتة بالنواب والطبقة السياسية، وكان كاريكاتير "الغد" على الصفحة الاولى امس يجسّد أيّما تجسيد هذه الحقيقة.
يجدر ان يأخذ النواب ردود الفعل هذه بعين الاعتبار لتحسين صورتهم في عيون الناس، من خلال اداء أكثر جدّية واخلاصا وترفعا ونزاهة.
لكن، من جهة أخرى، دعونا نسأل من أتى بالنواب؟
الناس هم من اتوا بهم. وان لم يكن كذلك بالنسبة إلى بعضهم، فالدولة واجهزتها. وعلى ذلك، فليس هناك ابرياء من المسؤولية.
لا اريد ان افسد على الناس فرحتهم، بالقول انني لست ميّالا إلى التساوق مع هذه المشاعر، اذ أستشعر البعد السلبي، المتمثل في الميل الدائم إلى أخذ موقف الضحيّة، وتحميل المسؤولية لآخرين، خصوصا واننا لا نبني أيّة استخلاصات، حتى الساعة، على هذا التقييم لطبقة النواب والاعيان والمسؤولين السابقين والحاليين. ثم ان المسألة ليست شخصيّة، فنحن ابناء بيئة واحدة، ولن يغيّر في الامر استبدال فلان بفلان، ناهيك عن اننا لا نستطيع ان نميّز صالحا من طالح. فالوزراء والمسؤولون يتناوبون دون ان نعلم ابدا لماذا جاء هذا وراح ذاك؟ و"هيبة الدولة" تقضي بانتظار التعديل لإبعاد وزير ذي اداء رديء، أو دارت حوله شبهات! ويذهب احيانا وزراء أكفاء من العهد السابق، لمجرد افساح المجال لآخرين محسوبين على العهد اللاحق.
ولو جرت الانتخابات غدا، فهل نتوقع صنفا آخر من النواب؟ وهل يدلنا احد على طبقة جديدة ومختلفة من السياسيين أو الناس المؤهلين للمسؤولية؟ اذن، نعود الى نفس الاستنتاج الذي خلصنا له امس واول من امس، وما نضيفه اليوم، بمناسبة سعادة الناس المشروعة بالنقد الصريح للنواب والمسؤولين، انهم-اي الناس- جزء من المشكلة. أليسوا جزءا من ظواهر الانانية، وضعف الانتماء للعمل، والمراوغة، والتهرب من المسؤولية، وقابلية التعدّي على الملكيّة العامّة؟ لكن هنا ايضا المسألة لا تحلّ بالمواعظ الاخلاقية، بل بالسياسات والاجراءات على المدى المنظور، والتنشئة والتربية والثقافة على المدى الطويل.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري