ولادة سيدة على مدخل مستشفى البشير فضيحة... لكن المتهم ليس المستشفى، ولا الاطباء، ولا المواطن الذي لم يقتنع بقول الادارة انها لا تملك حاضنات شاغرة، وظلّ ينتظر هناك طمعا في الحصول على ادخال.
في حالات الولادة المبكرة، يجب وضع الطفل إلزاما في حاضنة، وكلفة الحاضنة في مستشفى البشير، للذين لا يملكون تأمينا صحّيا، هي دينار ونصف الدينار فقط في الليلة، مقابل ما ينوف على المائة دينار في القطاع الخاص! ومن المفهوم ان المواطن الغلبان يريد ادخال زوجته الى البشير، لكن حسب ادارة المستشفى، فالحاضنات كانت كلها مشغولة –وهي كذلك دائما، بفعل الضغط الشديد على المستشفى– والمواطن لم يكن مؤمّنا صحّيا حتى تعطيه الادارة ورقة تحويل الى مستشفى آخر.
القطاع الصحّي الحكومي بات يعجز عن استيعاب ضغط القطاع المؤمّن صحيا، خصوصا مع توسع التأمين، ليشمل عائلة الزوجة الموظفة (الزوج والاولاد)، وأيضا الاب والام، وكذلك جميع اطفال الاردن تحت السادسة. لكن الضغط يزداد من المواطنين غير المؤمّنين، لأنهم يدفعون اجرا متدنيا جدا مقارنة مع الاسعار الكاوية للقطاع الخاص.
هللنا دائما للتوسع في شمول خدمات التأمين الصحّي العام لفئات اضافية، لكن الحقيقة أن هذا ادّى ويؤدي الى تدهور الخدمة، مع عدم توفر البنيّة التحتية الكافية لاستيعابه. ليس هناك عدد كاف من الاطباء والممرضين والتجهيزات والاسرّة. وأول من امس، قال لي قريب احدهم، انه اخذ موعدا لفحص مرض هشاشة العظام منتصف العام 2006!
الخدمات الفندقية في المستشفيات الحكومية في حال يرثى لها، والمحزن ما قاله لي اداري في البشير عن سلوك الناس، الذين يقطعون حتى "الشطافات" في الحمامات ويأخذونها معهم.
الخصخصة ليست حلاّ، وسترفع كلفة التغطيّة الى حدود مستحيلة، والحل الوحيد هو التوسع والتطوير في خدمة القطاع العام، مع تحميل جزء من الكلفة للمؤمَّنين. وبصراحة، حان وقت القرارات الجريئة، والا سوف تتدهور الخدمة الصحيّة أكثر فأكثر.
منذ زمن ونحن نتحدث، مثلا، عن تدفيع المؤمَّن نسبة من كلفة الدواء لوقف الهدر المريع، فاتخذنا نصف قرار لم يحلّ المشكلة. ونحن نتصوّر، مثلا، ان يدفع المواطن المؤمَّن 10% من الكلفة التجارية لأي اجراء، ابتداء بالكشفية مرورا بالادخال والفحوصات وانتهاء بالدواء، ويدفع صندوق التنمية الاجتماعية للفقراء الموثقة حالاتهم لديها، حتى لا يكون هناك استثناءات على الاطلاق.
اجراء آخر يتعلق بالحوافز التي توزع بالتساوي حسب الفئات، فتفقد أي معنى كحوافز، اذ انها في الواقع زيادات للأطباء بسبب تدني رواتبهم. ومن الضروري زيادة رواتب الاطباء، فالصحّة لم تعد تجد من يأتي اليها، لكن بالنسبة للحوافز، فالاصح ان تربط بالعمل المباشر للطبيب، مثل عدد المراجعات والعمليات... الخ.
حان وقت القرارات الجريئة، وهي قد تثير سخطا في البداية، لكن السخط حاصل وأكثر، بسبب تردي الخدمات المتواصل. والمواطن سيقدّر المشروع بعد ان يرى النتائج، اذا أُنجز كرزمة متكاملة، وليس ترقيعا هنا وهناك.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري