ليس الارهاب وحده ما يهدد مواطني الرئيس بوش، بل والطبيعة ايضا. وبمقارنة رقميّة، فالطبيعة كانت اقسى، وحجم الخسائر بالارواح والممتلكات فاق هجمات نيويورك. الفرق، انه ليس للرئيس ما يستثمره سياسيا في قسوة الطبيعة؛ فلم يهتم كثيرا، الى أن أخذ حجم الكارثة يتكشف بالتزامن مع العجز الفاضح في الاحتياطات المسبقة وجهود الاغاثة اللاحقة.
قد تكون اعظم كارثة تسبب بها إعصار واحد. وغرق مدينة كاملة على هذا النحو المذهل كان من اختصاص افلام الخيال العلمي فقط! ولعلّ موجات تسونامي في جنوب آسيا تسببت بخسائر أكبر فقط بسبب اتساعها الهائل، لتشمل شواطئ عشرات الدول. لكن، هناك جاء المدّ فوريا ليفاجىء الملايين على شواطىء جنوب آسيا، امّا هنا، فكانت تكنولوجيا الارصاد المتطوّرة تتبع سير الاعصار دقيقة بدقيقة. وهنا تظهر حقيقتان: اولاهما، التراخي في تقديم الدعم الكافي والمبكر للإخلاء. والثانية، البعد العنصري؛ إذ إن نسبة السود الفقراء في الولاية هي الأعلى، وكثير منهم بلا فرص وموارد لإخلاء مناطقهم.
أمّا الظاهرة الثالثة، فهي موجة العنف والنهب والسلب التي أعقبت غياب القانون، وهي تذكّر بما حدث في نيويورك ليلة الـ"بلاك آوت"، او انقطاع التيار الكهربائي، لكن لا المكان ولا المناسبة يسمحان بتوقع مثل هذا السلوك الذي يكشف عن ان النسيج الاجتماعي على درجة من التفسخ والتردّي، لا تضبطه أيّة قيم، وإنما فقط السلطة الفولاذية للقانون.
زرت الولايات المتحدّة مرّة واحدة فقط، وقد احببت بيئة بعض المدن ذات الطراز الاوروبي، لكني لم أحب ابدا الضواحي الشاسعة، حيث البناء كله من الخشب والبلاستيك لا يعطي احساسا بالرسوخ. كل شيء مفبرك، مصنّع؛ الحجر ليس حجرا، ولا الرخام ولا القرميد ولا السيراميك ولا البلاط، كل شيء على صورة شيء اصلي، لكن من مواد مفبركة وخفيفة. والعجيب اننا نصنع بيوتا من أطنان الحجر والاسمنت، ونحن بالكاد نتعرض لنسمة هواء، أما هناك فيصرّون على ذلك النمط من البناء في مناطق تتعرض لأعاصير عاتية. ويفسر البعض ذلك بنمط الاقتصاد الاميركي، الذي يقوم على تجديد الاستهلاك، لكنني اعتقد انه ايضا امتداد للتاريخ؛ فهكذا بنى المستوطنون الاوائل، وعلى نفس النسق طوّروا البناء، ونحن نبني بالحجر من زمن الانباط.
المهم ان الانتقادات تنهال على الادارة، وتم الربط بين اسراف بوش في حربه على العراق وبين تباطئه في التحرك من أجل مواطنيه في واحدة من اكبر الكوارث التي كان متاحا توقعها والتهيؤ بصورة أفضل لها. والصحافة العالمية تلاحظ ان ما يجري من فوضى وعجز في ادارة التعامل مع الكارثة جدير بدولة متخلفة من العالم الثالث.
الغرام بالتكنولوجيا المتطورة، والنظام، والكفاءة، والكمال، بدا مثل قشرة معدنية لامعة، تكلست تحتها المهارة الانسانية الخالصة. العملاق يبدو مريضا، والرأس المفكر له الان هو الاصغر والأسوأ منذ عقود، والتوقعات قوية بأن اعصارا سياسيا سيصل واشنطن، سيتبع اعصار الطبيعة الذي دمّر نيواورليانز.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري