الحكومة منهمكة في حملة لتبرير وتمرير رفع اسعار المحروقات، وهي تأمل من الاعلام تفهم القرار ومساعدتها في شرح الرسالة للرأي العام.
نحن نكتب بقناعات صادقة، ودون محاباة للحكومة، ونقول انها مضطرّة للرفع، لكن بيدها ان تفعل شيئا لم تقرر حتى الان ان تفعله، ويجب ان تفعله لإنقاذ اقتصاد البلاد وامنها.
منذ زمن ونحن نتحدث عن الخلل في توزيع الاعباء على المجتمع؛ فسياسة التحرير الاقتصادي والخصخصة وسّعت رأس المال الخاص دون توسعة مساهمته في المالية العامّة.
هذا الكلام كان يصنّف دائما في خانة الخطاب الشعبوي المألوف، فلا يؤخذ بالاعتبار، رغم ارقام الموازنة التي تقول ان ضريبة المبيعات تجني 800 مليون دينار، بينما ضريبة الدخل تجني فقط 240 مليون دينار.
رئيس الوزراء نفسه، في لقائه مع الاعلاميين، اعترف ان ضريبة الدخل ادنى كثيرا مما يجب، واعتبر ذلك دليلا على التهرب الضريبي. لكن وزيرة التخطيط اعطت ارقاما توضيحية اضافية، تؤكد ان المشكلة ليست في التهرب فقط. فنسبة ضريبة الدخل عندنا تصل الى 3% من الناتج المحلي الاجمالي، بينما هي في الدول الغربية التي لا نستطيع ان نزاود عليها في الليبرالية الاقتصادية تراوح بين 10% الى 15% (بنسبة مشابهة عندنا، سيراوح مردود الضريبة ما بين 800 مليون دينار و1200 مليون دينار). وأوضحت الوزيرة ان انخفاض مردود ضريبة الدخل لا يعود الى التهرب فقط، بل الى سياسة التخفيضات والاعفاءات الضريبية.
هذه هي الحقيقة اذن، فالتخفيضات المتوالية لأكثر القطاعات ربحا، كالبنوك وشركات التأمين، والاعفاءات من كل نوع تحت شعار تشجيع الاستثمار، خفضت بصورة خطيرة مردود ضريبة الدخل، بالتضافر مع التهرب الضريبي، لتصبح 3%، وهو الادنى في منطقتنا (المتوسط في المنطقة هو 7%)!
ليس غريبا والحال هذه ان الموازنة لم تستفد كثيرا من النمو الاقتصادي وحركة المال التي شهدت، وستشهد، صعودا مع تدفق الاموال الجديد على المنطقة بفعل ارتفاع اسعار النفط، فنحن نجني قليلا من ضريبة الدخل ولا نجني شيئا من الارباح الرأسمالية!
وقد قال لي الصديق ابراهيم سيف، الباحث الاقتصادي، انه طرح هذا الامر في اللجنة الفرعية المختصّة في الاجندة الوطنية، فهبّ اساطين رأس المال في وجهه كأنه نطق كفرا! نعم، هذه هي المسألة؛ فأصحاب النفوذ في القرار الاقتصادي هم اصحاب المصلحة في سحق ضريبة الدخل والضرائب على رأس المال.
لا نريد معاقبة الثراء والنجاح ابدا. نريد لهم مساهمة مثيلة لمساهمة رأس المال في الدول المتحضرة التي نقتدي بنموذجها في الانفتاح والتحرير الاقتصادي، ام نريد هذا في جانب والبقاء عالما ثالثا او رابعا في جانب آخر؟! جانب الانانية والجشع وانعدام المسؤولية تجاه المجتمع!
هذه الزيادة لن تكون الاخيرة، والنيّة تتجه إلى تحرير اسعار المحروقات نهائيا، والاجراءات الهامشيّة لتخفيض الاستهلاك او العبء على الفئات الشعبية لا تكفي، ولن نكون مع هذا الرفع دون تغيير حقيقي، يعيد للخزينة ما لا يقلّ عن 800 مليون دينار من ضريبة الدخل والارباح الرأسمالية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري