ذاكرة اللجوء المنبثقة من الاحتلالات والمذابح وتهجير السكان المحليين الذين نبتوا وتخلقوا تاريخياً فوق جغرافيتهم، إلى جغرفة مقترحة أخرى، تحمل في تفاصيلها العديد من الجراح الغائرة في الروح الجمعية للاجئين، والتي يصعب مداواتها بالفعل.

فان تقتلع شعباً من بيئته الجغرافية التي نبت وترعرع فيها «أباً عن جد»، فإنك تبدو في فعلك الاجرامي هذا وكأنك اقترحت عليه تبديل جلده ومساماته، كي يتناسب هذا التبديل أو التبدل مع طبيعة المناخ الجديد والمقترح عليه في الجغرافيا الجديدة التي عليه أن يُقيم فيها.

وفي العودة الى التاريخ الموجع للاقتلاع والتهجير، فان المذابح التي تعرض لها الشركس والشيشان ابان حكم روسيا القيصرية، جعلتهم ينزحون الى أراضي الدولة العثمانية، على اعتبار تبعيتهم الدينية التي لجأوا دفاعاً عنها.

لكن الجغرافيا المقترحة على الشيشان والشركس لم تكن تتفق مناخياً مع ابدانهم وأوكسجينهم الذي تربى عليه أجدادهم، فكان عليهم أن يتكيفوا في كل الأقطار العربية والاسلامية، وأن يروضوا أرواحهم على طبع الهجير الصحراوي الذي يميز العديد من الاقطار العربية.

إن بلاد القوقاز الثلجية وربما الجليدية التي عاش فيها الأجداد لم تكن تتناسب على الاطلاق مع الجغرافيا الجديدة التي تم اقتراحها على هذين الشعبين. لكنها هي الضريبة الموجعة لفعل الاقتلاع والتهجير.

اما جغرافيا النازح او اللاجىء الفلسطيني فلم تقتطع من روحه الوضع المناخي، ذلك أن الدول المحيطة بفلسطين والتي هاجر اليها الشعب الفلسطيني متشابهة مع مناخ فلسطين، لكن الجرح الغائر في روح اللاجىء الفلسطيني، هو خسارته الفادحة للتضاريس والجغرافيا الفلسطينية، وقبوله الاضطراري لكي يقطن في علب الصفيح التي تسمى عربياً بمخيمات اللجوء الفلسطيني.

إن الخسارة الجغرافية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، هي خسارة ترتقي الى التراجيديا والى الاسطورة المفجعة في حوادثها.

وعودة الى جغرافيا اللجوء العربي المعاصر، فإن ظاهرة لجوء الآلاف المؤلفة من الشعب السوري، الى بعض الاقطار العربية مثل الاردن ولبنان وتركيا، فإن هذا اللجوء الطازج، يفتح الباب من جديد على جغرافيا النازح أو اللاجىء، ويجعلنا نتأكد من أن القهر الذي تتعرض له الشعوب من قتل وذبح، هو الذي يجعلها تغامر بفقدان الجغرافيا، مقابل أن تعيش وتتحمل تداعيات الفرق الجغرافي للمكان والفرق في التضاريس.

وتلكم هي الماساة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور