لم نغادر بعد الاجواء المؤلمة والكارثية لجريمة تفجير مرقد الامامين الهادي والعسكري حتى فجعنا بجريمة اغتيال مراسلة قناة العربية اطوار بهجت، وزميليها في الفريق الفنّي.
اطلالة اطوار على الشاشة، عبر عملها كمراسلة لقنوات فضائية كانت آخرها "العربية"، حازت سريعا على محبتنا واعجابنا، فقد كان واضحا انها تنطلق من حس وانحياز وطني يتماهى مع طاقة مهنية مميزة، استحقت بهما شهرة وشعبية خلال فترة قصيرة. وهذا الاسبوع – قبل وفاتها– كنّا قرأنا تحقيقا صحافيا عنها زادنا تقديرا لها؛ فهي فوق عملها الصحافي اديبة وشاعرة ورسّامة.
هل كان لاغتيالها ارتباط بنوع تغطيتها الصحافية وعملها مع قناة العربية؟ على الارجح نعم؛ فبحسب الناجي الوحيد من العملية، جاء المسلحون الى موقع السيارة التي تتولى البثّ، يطلقون النار للترهيب ويسألون عن "المذيعة"، وكانت أطوار تحاول ان تشرح انها تقوم بتغطيّة مهنيّة محايدة حين اختطفت مع زميليها ليتم في وقت لاحق تصفيتها.
وحين ذهبتْ إلى سامرّاء، مدفوعة بروح الغيرة الوطنيّة والمهنيّة رغم نصائح الاصدقاء بعدم الاقدام على هذه المخاطرة، كان واضحا في تقريرها الاخير قبل الاختطاف انها تبذل جهدا لتهدئة المشاعر، وتطويق الفتنة، واظهار موقف الاستنكار السنّي لما حدث، وهذا لم يكن ليعجب من ينفخون على النار تحت مرجل يغلي.
هكذا انضمت هذه الصحافية الطيبة والمميزة الى قافلة شهداء الإعلام، الذين وصل عددهم في العراق الى ثلاثة وستين شهيدا، وقد سبقها من قناة العربية اثنان آخران، اضافة الى تفجير مقرّ القناة ومحاولة اختطاف مدير مكتبها في بغداد.
نحن لا نشك اننا امام جهود الحدّ الاقصى الدموية لتفجير فتنة طائفية كبرى تقطع الطريق على المفاوضات الدائرة لإنشاء حكومة ائتلاف وطني عريض بمشاركة السنّة الذين دخلوا العمل السياسي من اوسع ابوابه، ولم يعودوا يقبلون بالبقاء رهينة لجماعات التطرف الارهابي، واخذوا يصيغون وجودهم السياسي وتحالفاتهم التي تعيد لهم دورا مركزيا على الساحة.
فتح الطريق الى الحرب الاهلية؛ هذا ما اراد العمل الاجرامي أن يحققه بتدمير واحدة من أقدم وأجمل واقدس المعالم الدينية على مرّ العصور. لا نستطيع تخيّل عراقي يملك ذرّة من الوجدان الوطني او الديني او الانساني يقدم على عمل لئيم وجاهلي كهذا. وللأسف فقد تحققت على الفور ردّة الفعل المؤلمة والفظيعة: تدمير وحرق عشرات المساجد السنية من قبل جموع غاضبة، وقتل ائمّة ورجال دين في بيوت الله. ويعلم الله كم انفسا بريئة كانت ضحية لأعمال انتقامية عمياء، فقد اعلن عن العثور على عشرات الجثث، بل تم الدخول الى احد السجون وتصفية دزّينة من النزلاء.
أليس كافيا ما نزل بالعراق حتى الان من مآس؛ احتلال، وخراب، وفساد، ونهب، ودم، ودمار يكفي لدزينة مجتمِعة من البلدان، حتى نرى هذا الاصرار الفظيع على جرّ البلاد الى حرب أهلية؟! نسأل الله الرأفة بالعراق وأهل العراق!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري