ما جرى خلال الفترة الأخيرة في سوق عمّان المالي يشبه هروبا عشوائيا لجيش مذعور من ساحة المعركة. وكما هو معلوم، فإن الخسائر في هذه الحالة تكون أفدح.
ما يجري في السوق هو حديث الساعة في المجالس، وستجد دائما بين الحضور من يحدثك عن خسائره أو خسائر آخرين؛ فالأسهم جذبت أعدادا ضخمة من المواطنين، لم يضعوا "تحويشة العمر" فحسب بل كشفوا انفسهم للوسطاء بمبالغ كبيرة، وها هي الخسائر الآن تدهمهم وتخرب بيوتهم، وقد تظاهروا بغضب أمس امام السوق، وخرّبوا احد مكاتب الوساطة. وكانت حادثة انتحار قبل أسبوعين قد رُبطت بخسائر في البورصة. وأمس، كان أحد معارفي الذي لم أعهد له صلة بهذه التجارة يتصل بي مستنجدا، وقد بدا في حالة هلع تعكس الجو السائد: "أنا وإخواني تدمرنا يا أستاذ جميل، ما الذي يحدث في السوق المالي؟!"، وفهمت انه دخل وإخوانه السوق منذ فترة وجيزة مستغلين هبوط الأسعار، لكن الأسعار واصلت الهبوط مسببة لهم كارثة. فاصطنعت هيئة الخبير الناصح، وقلت له: اصمد ولا تبع، فهذه موجة و"بتعدّي"، فردّ يائسا: "لا نستطيع، هناك التزامات".
الأسوأ يتعلق بصغار المساهمين والمستجدّين في السوق على الأرجح، لكن البعض يستعرض خسارته بالقياس إلى أعلى سعر وصلته الأسهم، وليس قياسا إلى السعر الذي اشترى به في حينه. واذا نظرنا الى الخط البياني لمؤشر البورصة في العامين الأخيرين، فهو تحرك من معدّل 3 آلاف نقطة إلى ذروة 9 آلاف تقريبا، ثم بدأ ينزل هذه الايام ليصل الى مستوى 7 آلاف نقطة، وهذا ليس انهيارا بل تصحيحا.
لقد تضافر عاملان لرفع اسعار الاسهم، هما التدفق النقدي الاستثنائي، واتساع المضاربة، وليس هناك منطق في ان تطرح شركة استثمارية أسهما اليوم ليتضاعف سعرها عدّة مرّات في الغد. والتراجع الذي نشهده الآن هو تصويب منطقي، وقد ساهم طرح اسهم شركات جديدة، وزيادة رأسمال شركات قديمة في امتصاص السيولة، وكذلك عودة فوائد البنوك للارتفاع، لكن الوضع تفاقم بسبب حالة الفزع التي ضاعفت العرض بصورة ضغطت على الأسعار حتى اقتربت من حالة الانهيار دون مبرر.
كيف يمكن ان يستعيد المساهمون هدوءهم، وكيف يمكن السيطرة على هذه الكرة المتدحرجة؟! هذا ما يجب ان تفكر فيه ادارة السوق على جناح السرعة، بما في ذلك التأكد من عدم وجود تواطؤ ما.
لدينا "إحساس" أن الهبوط أخذ مداه المنطقي، وكل تراجع إضافي يذهب دون المستوى المعقول للأسعار، ويتصل فقط بحالة الفزع التي ينبغي تداركها ومعالجتها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري