على غداء تقشفي (معجّنات) تحدث الرئيس الى الكتّاب الصحافيين مطوّلا عن الرؤية الاصلاحية للحكومة، قبل ان يصل في نهاية اللقاء الى موضوع الساعة، وموضوع الدعوة كما كان يتوقع الصحافيون، اي رفع اسعار المحروقات.
وحسب الرئيس، فإن تحدّي الانتقال بالمجتمع الاردني الى الحداثة السياسية والاقتصادية والاجتماعية محكوم بثلاثة عوامل، هي: الارادة السياسية، والرؤية الاستراتيجية، والمنظور التنفيذي. وقال انها جميعا متوفرة لدى الحكومة.
مشكلة لقاء من هذا النوع ان قليلا جدا من الوقت يتبقى للدخول الى تفاصيل اي محور، ولذلك لا أجد شيئا اضافيا افيد به القارئ كتعليق على موضوع المحروقات، سوى ان الحقيقة الأخيرة التي لا مناص منها هي ان اسعار المحروقات سوف تعكس اسعار النفط كما في السوق الدولية، من دون اي دعم حكومي. وهذه صدمة موجعة لاقتصاد قام حتى وقت قريب على نفط رخيص يدعم المستهلكين ويدعم الموازنة. ولا شكّ أن دمج محطتي الرفع في آذار وأيلول بمرحلة واحدة الآن جاء تحت ضغط استمرار ارتفاع سعر البترول، وربما ايضا لحاجة الحكومة إلى ان لا يبقى ماثلا شبح رفع قادم يفسد عليها أجواء العمل للشهور القادمة، وتجد نفسها امام قرار آخر في مطلع الشتاء القادم، وهي التي كانت قد تجاوزته هذا العام، بما في ذلك بضعة ايام اضافية "سماح" من أجل عيون "الشتوة" الاخيرة.
الخطوة القادمة في العام القادم هي تحرير الاسعار نهائيا، إذ ستتحرك ارتفاعا او انخفاضا مع اسعار البترول. لكن هل يمكن ان تتحرك ايضا انخفاضا؟ الرئيس تعهّد بآلية تضمن ذلك، لكن السيناريوهات المتوقعة لسوق النفط تذهب باتجاه ارتفاع قد يصل، وفق توقعات محللين، الى مائة دولار، وهذا هو السيناريو "المخيف" وفق تعبير الرئيس.
اضافة الى الدعاء ان لا تصدق هذه التنبؤات، نحتاج الى خلية تخطيط استراتيجي تتحسب لمختلف السيناريوهات. ومن المؤكد ان الدولة تضع في خططها استئناف الجهود للحصول من الاشقاء على نفط أرخص، لكن وفي كل الاحوال فإن البلد ما عادت تستطيع الاستمرار بالوتيرة والانماط والعادات القديمة؛ السياسات يجب ان تكون حازمة، والتغيير يجب ان يكون حقيقيا وشاملا.
نقطّة اخيرة بالنسبة للتعويضات النقديّة؛ فقد كان ممكنا تقليل نسبة الرفع بما يساوي حجم تلك التعويضات، لكن هناك منطقا معقولا يقول إن المستفيد سيكون كل مقيم من غير الاردنيين، وكل العابرين بسيّاراتهم وشاحناتهم، وأصحاب السيارات الفارهة. وقد دافع الرئيس عن هذه الآلية بدل رفع الرواتب بأنها تشمل جميع محدودي الدخل، وليس موظفي الدولة فقط، كما تراعي حجم الأسر.
ومهما يكن، فهذا التعويض يمثل صيغة مؤقتة لامتصاص الصدمة، إذ إنه لن يدوم الى الابد. والاهم للمستقبل هو السياسات العامّة، التي يجب ان تهدف الى اعادة تدوير الدخل الوطني بصورة أكثر توازنا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري