إن مريضاً مضطرباً خارجاً عن سيطرته قد يشكل خطراً على نفسه وعلى الاشخاص الاخرين. وعوامل الاضطراب والتصرفات الشاذة عديدة لا يمكن حصرها بالأمراض العقلية. من بين هذه العوامل وعلى سبيل المثال داء السكري وارتفاع ضغط الدم وداء الصرع والالتهابات الشديدة وتشنج الأوردة وجروح الرأس والخمرة والمخدرات المختلفة.
إن أي مريض السكري أو الصرع أو داء ارتفاع ضغط الدم قد يفقد السيطرة على تصرفاته إذا ما ترك دون علاج. وأن شخصاً مصاباً بالتهاب شديد قد يعاني من الهذيان وقد تخرجه الحمى عن طوره. والأشخاص المتقدمون في السن قد يعانون من يبس في الأوردة الأمر الذي قد يؤدي بهم إلى الاضطراب وإلى القيام بتصرفات غير متزنة.
الكحول
من الخطأ الافتراضي دائماً أن الخمرة التي شربها شخص ما هي العامل الوحيد لتصرفاته الشاذة. إن عوامل أخرى عديدة قد تتدخل لتعقيد الأمور ولا بد من أخذها دائماً في الحسبان. أما أبرز هذه العوامل فهي التالية:-
1- داء الصرع: لا تكون للمريض في بعض حالات هذا المرض سيطرة على تصرفاته مثل حالة الشرود الصرعي، وقد يكون في حالة ضياع بسبب تعرضه لنوبة لم يتغلب عليها بعد بالشكل الكامل.
2- داء السكري: في حالات عديدة يتم اخذ المريض كمية زائدة من الأنسولين أو أنه لا يأكل من الطعام ما يكفي لمعادلة الكمية المحددة التي يتناولها عادة من هذا الدواء الأمر الذي يجعله يفقد اتزانه ويتعثر بالكلام ويتصرف بشكل يمكن اعتقاده خطأ ان سببه تعاطي الخمرة. وهذا الخطأ في التقدير قد أدى إلى وفاة عدد كبير من مرضى السكري في زنزانات السجون.
3- إصابات الرأس: إن شخصاً تعرض إلى إصابة في رأسه، غير ظاهرة للعيان، قد يعاني من ضياع أو عجز عن الكلام الأمر الذي يوجب البحث بدقة عن مثل هذا الاحتمال.
4- الاضطراب النفسي: هناك أسباب عديدة قد تسبب اضطراباً نفسياً وأشكالاً مختلفة من الهذيان والهوس التي قد تبدو للكثيرين كحالة من السكر.
خلال نقل السكارى لا بد من مراقبتهم عن كثب؛ آلات الشفط يجب أن تكون متوافرة ولا بد من سحب كل القيء من البلعوم حالاً كيلا يختنق المريض، ومن أجل الحيلولة دون تنشقه القيء إلى رئتيه الأمر الذي قد يسبب إصابة رئوية حادة. إن السكر يجب أن يعتبر مرضاً حقيقياً والمصاب بالسكر يجب أن يعامل معاملة أي مريض في حالات الطوارئ المختلفة.
وفي حالات ليست بالنادرة ينقطع مريض، قد تعود تناول كميات كبيرة من الخمرة خلال فترات طويلة، عن الشرب، أما بسبب المرض أو بسبب عجزه عن الحصول على الخمر أو بسبب قرار اتخذه بالتوقف عن الشرب (وهذا لا يمكن الركون إليه). إن هذا الانقطاع الكامل والمفاجئ عن تعاطي الخمرة يؤدي عادة إلى الهلوسة والهذيان. والعلامات المبكرة لهذه الحالة تظهر أولاً بارتجاف الأيدي والاضطراب والتململ وتخيل الأصوات ومن الممكن أن تتطور إلى الضياع وفقدان التوازن والتصرفات الجنونية. ويتعرض هؤلاء المرضى إلى نوبات هلوسة تفزعهم وتلقي فيهم الرعب وقد ينتهون إلى تدهور في منتهى الخطورة.
المخدرات
صنف متعاطو المخدرات في اللهجة الأميركية العامية هذه المخدرات إلى صنفين:- "الرافعة" و "المهبطة". ومن المفيد فهم هذين التعبيرين العاميين ذلك أن ردود الفعل عند الذين يتعاطون المخدرات، الجسدية والنفسية، تؤكد تطابق هذين التعبيرين ودقتهما.
فالمخدرات "الرافعة" هي التي تعطي من يتناولها الإحساس بأنه يعلو وتؤثر في الجهاز العصبي الرئيسي ومنها "الامفيتامين" والـ "ال . أس . دي" .
هذه الاصناف من المخدرات عادة ما تؤدي إلى حالة من الانفعال والحيوية المفرطة وكثيراً ما تؤدي أيضاً إلى تصرف رفضي وأحياناً عدواني. وبعضها قد يصل بالمريض إلى الهلوسة الخطرة على نفسه وعلى الآخرين. إن حالة كهذه يجب مراعاتها بحذر ومحاولة ضبطها، وإنما باحتياط وفطنة. فمحاولة ضبط المريض بأساليب قسرية قد ترهبه، وتجعله مشاكساً صعب التعامل. وضبط المريض يجب ألا يتجاوز حدود منعه من إيذاء نفسه أو إيذاء الآخرين وذلك إلى أن يوضع تحت تصرف الطبيب وعنايته.
أما المخدرات "المهبطة" فيؤدي تأثيرها في الجهاز العصبي إلى حالة هبوط نفسي. ومنها الأفيون ومشتقاته (كالمورفين، والهيرويين) والبربيتوريت (وهو عقار مركب شبيه بالمورفين). وتعد المرجوانة مهبطة وقد تؤدي إلى المعاناة من الهلوسة في حال أخذ كمية كبيرة منها. إن أخذ كمية كبيرة من أي من هذه المخدرات يضع المريض في غيبوبة ويصبح تنفسه بطيئاً وسطحياً. وينتقل المدمن إلى هذه الحال بسهولة ذلك أنه لا يستطيع تحديد كمية المخدر الموجودة في المادة التي اشتراها من السوق السوداء. ومما لا شك فيه أن الجهل بفعالية المخدر يشكل خطراً كبيراً، ويؤدي في كثير من الحالات إلى الموت.
وللمريض الذي يعاني من هبوط في تنفسه لا بد من أن يعطى كمية من الأوكسجين مباشرة، وقد تقتضي الحاجة بأن يزود بالأوكسجين عن طريق آلة التنفس وعادة ما يتقبل آلة التنفس دون انزعاج، وهي بلا شك مفيدة خاصة خلال عملية نقل المريض. وأي أدوات يجدها رجل الإسعاف في حوزة المريض (كإبرة أو كبسولة أو خلافه) عليه أن يأخذها ويقدمها إلى المرجع الطبي ذلك لأن هذه الأدوات قد تساعد في تحديد نوع المخدر وكميته بالتالي تساعد في تحديد العلاج المناسب.
وقد يواجه رجل الإسعاف مريضاً يعاني من مجموعة عوارض سببها الانقطاع عن تعاطي المخدرات. ذلك أن تعاطي المخدرات وخاصة على امتداد فترة طويلة من الزمن ينتج عنه اعتماد نفسي متأصل على المخدر، ويصبح الشخص بحاجة إلى أن يأخذ منه باستمرار جرعات كي يحافظ على مستوى معين من النشوة أو على الأقل كي يتخلص من الإنزعاج. ومن بين المخدرات المسببة للإدمان المورفين والهيرويين ومشتقاته أو المركبات الشبيهة بها. إن الانقطاع المفاجئ عن تعاطيها قد يسبب اضطراباً وهيجاناً شديدين لدى المريض ويولد عنده حالة من التوتر والقلق والهلوسة.
ومن المخاطر المرافقة لتعاطي المخدرات، في حالات كثيرة، الالتهابات التي تنتج عن استخدام أدوات غير معقمة أو مطهرة وذلك حين يأخذ الشخص المخدر، عن طريق حقنه في العرق. وقد ينتج عن هذا مضاعفات صحية عديدة منها التهابات الكبد والرئة والقلب.
والاحتياطات نفسها التي يجب أن تتخذ مع الذين يعانون من السكر الشديد يجب أن تتخذ أيضاً مع مرضى تعاطوا المخدرات أو انقطعوا عنها، خاصة خلال عملية نقلهم. إن مريضاً انقطع عن تعاطي المخدر قد يمر في تجربة صعبة بل ومذعرة. وبالتالي فلا بد من نقله إلى دائرة الطوارئ ووضعه في عهدة مجموعة طبية ذات خبرة في معالجة حالات الإدمان ومشاكل تعاطي المخدرات.
ويعطي جدول 38 – 1 بعض أهم المعلومات العامة حول المخدرات وآثارها في الذين يتعاطونها.
الاضطرابات العقلية
يمكن تقسيم الاضطرابات العقلية أو النفسية إلى عدة فئات منها: العصاب، الذهان، الهبوط, المس أو الهوس، فصام الشخصية، والمصابون بأحد هذه الاضطرابات يقومون بتصرفات شاذة متشابهة إلى حد ما.
إن مريضاً يعاني من العصاب لن يصعب على فريق الطوارئ تدبر أمره والاعتناء به؛ ذلك أن المصاب بهذا النوع من الاضطراب العقلي يبقى على صلة بالواقع المحيط به متمتعاً بوعيه. وبسبب طبيعة مرضه فإنه لا يشكل عادة أي خطر على نفسه أو على الآخرين، إلا إذا كان هذا المريض مصاباً بهستيريا حادة أو فوبيا حادة يرافقها نوع من الهلع (الهستيريا والفوبيا ينتميان إلى فئة العصاب) وعندها يكون المريض خطراً يصعب تدبر أمره.
أما المريض المصاب بالذهان فالاعتناء به أصعب ذلك أنه قد تصبيه نوبات من الهلوسة وقد يصور له شعوره أن الآخرين يريدون إيذاءه. أنه شديد الانفعال والتوتر، شديد الشك وتصعب في كثير من الحالات تهدئته وقد يصل في تصرفاته إلى استخدام العنف. ومن المحتمل ألا يتجاوب مع أي مسعى عاقل، وقد تصبح محاولة تهدئته مجلبة لمزيد من الخوف وردود الفعل العنيفة. ولكن لا مناص من التوجه إليه بهدوء وصبر في محاولة لطمأنته وكسب ثقته، ولا يجوز اللجوء إلى القوة إلا لمنعه، في الحالات الطارئة، من إيذاء نفسه أو إيذاء الآخرين.
أما الذين يعانون من الهبوط النفسي فمن الضروري مراقبتهم عن كثب لأنهم يشعرون بدرجة مرضية. . . . من الكآبة واليأس من الحياة بل ويشعرون أن الحياة مؤلمة ومرهقة وبالتالي فقد يقدمون على الانتحار.
إن هناك قوانين قضائية بخصوص التعامل مع الأشخاص الذين يعانون من الاضطرابات العقلية، ويجدر برجل الإسعاف الإطلاع عليها. يفترض بشكل عام أن يوافق الشخص الواعي على الذهاب إلى المستشفى. أما إذا لم يوافق وكان اضطرابه واضحاً فمن الأجدى الاستعانة بالشرطة، رغم أنه في أغلب الحالات تنجح المحاولات الهادئة والمتحلية بالصبر في إقناع المريض والتخفيف من اضطرابه. وربما يكون أهم عامل في تهدئة مريض مضطرب هو الاستعداد لصرف وقت كاف لبث الطمأنينة في نفسه وتهدئته. وليس أفضل للعاملين في حقل الطوارئ من أن يضبطوا عواطفهم ويمنعوا التعليقات النابية أو التصرفات العدائية من أن تعكر صفوهم وهدوءهم الخارجيين. عليهم التحلي بالصدق وتجنب أي تصريحات كاذبة ذلك أنه إذا ما انتبه المريض واكتشف أي أمر من هذا النوع ضاعت في تلك اللحظة كل إمكانية تجاوب من جانبه. ويبقى عدم الإفصاح بشيء أفضل بكثير من المغالطة.
ويجدر بالمعنيين بمهام الطوارئ ما عدا رجال الشرطة أن يتذكروا أنهم غير مخول بحجز مريض أو نقله بغير رضاه. ولا يجوز لضابط الإسعاف إجبار المريض على أمر حتى ولو تقدمت عائلة المريض بطلب في هذا الشأن. له الحق أن يحاول ضبط المريض، بالشكل الذي يسمح به لأي مواطن عادي أن يفعل؛ لمنعه من إيذاء نفسه أو إيذاء الآخرين فقط.
المراجع
altibbi.com
التصانيف
أحياء الطبي طب العلوم الاجتماعية