في البيت الأبيض يوجد وظيفة علنية معروفة اسمها كاتب خطابات الرئيس، وهي ليست وظيفة شخص واحد فهناك أكثر من كاتب خطابات يضاف إليهم عدد من الموظفين المستشارين.
والخطاب الواحد يمرّ بمسار طويل بين كتابة المسوّدة الأولى واعتماد الصيغة النهائية، وتعقد اجتماعات لمناقشة صيغة الخطاب المقترحة والملاحظات عليها، وتدور حوارات صاخبة حول عبارة أو تعبير معيّن لجهة تثبيته أو استخدام بدائل مقترحة.
ليس ضروريا أن يعتمد زعماؤنا الآلية نفسها من باب التواضع في اعتبار فارق القيمة والوزن مع ما يصدر عن زعامة الكرة الأرضية في واشنطن، لكن ليس معقولا الا يكون هناك مراجعة ورقابة تحمي المسؤول من الأخطاء و"زلاّت اللسان".
في الخطابات وفي اللقاءات الإعلامية المرتبة سلفا لا يمكن ولا يجوز وجود أخطاء وزلاّت لسان لأن كل شيء يخضع للمراقبة والتقييم، ولذلك يصطاد الإعلاميون المسؤولين السياسيين في تعليق عابر أثناء خروجهم أو دخولهم، والمسؤول الثرثار الذي لا يقاوم فتنة الميكروفونات والكاميرات الممتدّة له هو الصيد الثمين، فلا بدّ في وقت ما أن "يعكّ" في الكلام. ومن أصحاب الزلاّت المشهورين رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلسكوني الذي صرفته صناديق الاقتراع للتو (أمس) إلى بيته، وقد نال العرب والمسلمون حصّة من هفواته التي تنم عن سطحيّة وعنصرية، ولم تكن تمرّ شهور في الواقع إلا وتصدر عنه زلّة لسان ينشغل مَن حوله بترقيعها أمام إعلام يتسقط أدنى هفوة من الرئيس المفتون بالكلام كلما مرّ أمامه ميكروفون.
لكن العجيب أن ما قاله الرئيس مبارك عن الشيعة في البلدان العربية "الشيعة دائما ولاؤها لإيران" لم يكن عبارة اصطادها صحفي من الرئيس بينما كان يعبر مسرعا الى لقاء. بل جاء في سياق لقاء صحافي رسمي مرتب له في القاهرة مع الإعلامية جيزيل خوري لقناة العربية، وقد يكون الرئيس قالها بعفويّة مع أنها في كل الأحوال ليست دقيقة ولا منصفة، لكن لا بدّ ان بعض الحضور في مكان اللقاء هم من سكرتاريا ومكتب إعلام الرئيس. ألم تلفت نظرهم تلك العبارة؟! ولو اعترض هؤلاء وطلبوا تدقيق الشريط ومسح ما يرونه مناسبا فإنّ جيزيل ما كانت تستطيع ان تذهب بالشريط بهذه العبارة أو غيرها؛ لكن نرجح ان نمط العلاقة الداخلية بين الرئيس والحاشية لم يكن يتيح مثل هذا الدور، أمّا إذا كان هؤلاء لم يروا في تلك العبارة أية مشكلة فهم يستحقون الصرف من الخدمة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري