هناك في البؤر المتوترة من مناطق العالم، حالة مستمرة من القتل الانتهازي والسري، ذاك القتل الذي يُغافل مساحة الكاميرا المسلطة على منطقة بعينها، حيث دأبت هذه الجهات القاتلة على انتهاز الفرص التي تكون فيها قوى الميديا العالمية تنكب على المتابعة التفصلية لخبر يطفو على سطح الاخبار العالمية، لتقوم هذه الجهات بعمليات قتل واحتلال وتجريف وتشريد بسرعة عجيبة.

وفي هذا الوقت الذي تتسع فيه مساحة الكاميرا ومساحة المادة الخبرية لتقوى على تغطية أحداث الثورة السورية وما ينتج خلالها من تزايد في أعمال القتل والذبح الجماعي، أو لتقوى على تغطية الدراما الثورية التي يُنتجها الشعب المصري في ميدان التحرير، وتداعيات المناكفة بين السلطة المدنية والسلطة العسكرية في اقامة الدولة المصرية الحديثة.

في هذا الوقت تحديداً تعلو على سطح الأحداث الدولية السياسية ظاهرة «الموت في غضون ذلك»، حيث نلحظ أن العدو الصهيوني وقواته تعمل على مباغتة غزة بطلعات جوية خاطفة تقوم من خلالها قوات الجيش الاسرائيلي بقصف معاقل كتائب الثورة الفلسطينية ونشطائها. أو تذهب الى اجتماعات وزارية صهيونية لاقرار خطة الاستيطان، والموافقة على مشاريع استيطانية في القدس وفي أراضي الضفة الغربية عموماً.

وهناك الانفجارت المتتالية في مدن العراق التي تقدم لنا كل يوم قائمة من القتلى إثر تفجير سيارة مفخخة، يختار مُفجرها مكاناً مزدحما كي يشظي الاشلاء والجثث في الأسواق والساحات.

والكاميرا على الأغلب لا تتابع بشكل جذري ما يحدث على الحدود بين سودانيين انفصلا عن بعضهما للتو، وبالطبع لا تتابع القتلى الذين نراهم على قارعة الطريق الحدودية.

إنّ الموت في غضون ذلك هو أقسى انواع الموت، لأنه لا يقع في مساحة يغيب فيها التأثر والتأثير بالنسبة للعالم التي تتوجه أنظاره، نحو البؤر السياسية الساخنة، ويبدو مشدود الانتباه الى تفاصيل التوترات في هذه البؤر الساخنة.

إن الخبر السياسي الذي هو من العيار الثقيل والمؤثر يحمل في أحشائه قائمة من الموتى والحوداث المأساوية، لا يتم الانتباه اليها وتلكم هي الطامة الكبرى، حيث يبتلع الخبر السميك بحبره تلك الأخبار التي تحمل لنا جرائم قتل تحدث جميعها تحت عنوان «الموت في غضون ذلك».


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور