حينما كانت تتصلب الأمور وتتعقد بين فريقين أو بين عائلتين، ينهض أي واحد من الجهتين متسائلاً:» أين كبيركم».
وكبيركم كانت تعني ببساطة كبير العائلة الذي يمتلك بيده الحل السحري لحل كافة الاشكالات والتعقيدات الخاصة بعائلته. وعليه كانت كلمته لا ترد ويخضع لها جميع أفراد العائلة.
وبالمناسبة لم يكن كبير العائلة آنذاك من حملة الشهادات العليا، أو من أصحاب الأموال التي تتوجه «منسفياً» كوجه وككبير للعائلة. كبير العائلة آنذاك كان عنده ثوب واحد وعباءة واحدة وعقال واحد، وحذاء واحد، ملابس تظل في الحفظ والصون الى أن يأتي وقت الحاجة للخروج بهما للصلحة أو للجاهة أو لأي مناسبة تستدعي حضوره.
وقد كان كبير العائلة يمتلك ملامح متسامحة وذات طعم أبوي وصوت عميق وهادىء، وكان يمنح محدثه الاحساس بالأمان والطمأنينة.
وأنا من جيل عاش في زمن كان فيه كبير العائلة يتألق بحضوره وسط «ربعه»، مثلما كان يتألق بحوزته العائلية التي كانت تجعله الحاكم الآمر بشؤون العائلة، دون أن تتشكل في أعماقه أية ضغينة، أو نوايا مبيتة.
نعم كان كبير العائلة «عمنا» جميعاً، وكان يتحلق حوله رجال عائلته في ليالي الصيف، وكان هرجه الرجولي وحكمته تأخذ اللب وتعلمنا الدرس الأول في الرجولة والحكمة وحسن التعامل.
آنذاك كان لكلمة «عيب» حين يطلقها في وجه أي واحد منّا، تبدو مثل الطلقة المباغتة، وقد كان عمنا يسمح لنفسه بأن يقرع أي واحد دون أن يشعر الواحد منّا انها عملية تقصد، بل هي حرص عليه.
إن ما نشاهده في مجتمعاتنا حالياً من أزمات ومشاجرات وعمليات قتل وحالات عدوانية كافية لأن تشعل حرباً أهلية، هذا عداك عن حالات الانتحار العلنية التي تحولت الى موضة
| كل هذا يدلل على انفصام الروابط العائلية، لا بل يُدلل وهذا هو المهم على غياب «كبير العيلة».
ولك أن تلاحظ أنك وحينما تختصم أنت مع أي واحد وتسأله عن كبيرهم الذي من الممكن أن تحل المشكلة معه، تلاحظ انه يبتسم بوقاحة واستهزاء من كل كبير معلناً انه هو ذاته كبير العائلة.
يالهي كم هو موحش غياب الكبار | | .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |