كنت قبل أيام أقف في منتصف البلد تماماً، وبالتحديد امام الدخلة التي تقابل مطعم هاشم، وكنت بعد لم أتخلص من دهشتي من حجم الزبائن الذبن ينتظرون دورهم في الحصول على ساندوش فلافل مطعم فؤاد، حيث قادتني هذه الدهشة الى السؤال عن معنى واسباب هذه الشهية "الفلافلية" التي تقود مواطننا اليها بعد منتصف الليل.

لكن وما ان التفت الى مطعم هاشم حتى ازدادت دهشتي من حجم الاقبال الليلي والعائلي على مطعم هاشم الشهير بفوله وحمصه ومسبحته، وفكرت بالتداعيات الهضمية التي سيعاني منها هؤلاء وقبل نومهم بقليل، وبتلك الكوابيس البقولية التي ستداهم كل واحد منهم.

اننا وكأردنيين بتنا نعاني بالفعل من هذه الهجمة الطعامية على المطاعم، بكافة انواعها وفروعها، بحيث بالكاد تستطيع أن تدخل أي مطعم دون أن تحجز دوراً. أما بالنسبة لمطاعم الشاورما والوجبات السريعة فحدث ولا حرج، هذا عداك عن التوصيات الهاتفية. وتلك الحركة التي لا تهدا في تلك المطاعم.

وهنا نتساءل عن غياب المطبخ الأردني وصاحبته تلك الأم التي انقرض وجودها تماما بما كانت تقدمه من مطبخها على تواضع الدخل الشهري للعائلة، مثلما نتساءل عن التوقيت في تناول الطعام، بحيث كانت تلك الاوقات تمنح جهازنا الهضمي الوقت الكافي للتمتع بالنوم المعافى والخالي من الكوابيس، والخالي أيضاً من تلك التكشيرة الصباحية التي يخلفها شرهنا الطعامي الذي مارسناه بعد منتصف الليل.

في زمن فائت هو زمن اردني بامتياز كان يطلق على صاحب المطعم لقب "العشي"، وكان الذهاب اليه يقترن بمناسبة خروج الخاطب والخطيبة في دعوة مفاجئة الى "العشي" كنوع من التكريم الطعامي، والاحتفال بهذه المناسبة. وعلى العموم كانت فكرة "العشي" والذهاب اليه ترتبط بشهوة نصف سنوية عابرة.

والغريب ان بعض العائلات الأردنية أخذت تتابع بحرص عجيب مايفعله "الشيف" من طبخات هجينة على الفضائيات عموماً. وتتابع عمله بالاسئلة الهاتفية الملّحة.

والحال فإن القطاف الأردني لكل هذا الشره الطعامي بات يخلف لنا النسب العالية ذات الارقام الفلكية في ضغط الدم والكوليسترول والسكري والشحوم الثلاثية وباقي المتتاليات القاتلة من هذه الامراض. والحال أيضاً ان شرهنا الطعامي، قد وضعنا في غربة مطبخية صارت تجعلنا نترحم على أمهات زمان.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور