بالصدفة البحتة جاء مقعدي خلفه بالباص القادم من الزرقاء الى عمان، كان الرجل يبدو مهموماً وهو يتململ في مقعده، لكنه فجأة خرج من هذا «المود» وذلك حين استل هاتفه الخلوي، وبدأ بالتحدث عن مشكلته مع الاصدقاء والاحبة والاقارب. والرجل الذي كان يعتقد انه وما دام كان قد دفع ثمن ركوبه في الباص، فإن الباص قد تحول

الى ملكية خاصة متجاوزاً بصوته المجلجل فكرة ازعاج الركاب بشرح قصته بالتفصيل الممل والمقزز

اتصل أولاً بأحد اصدقائه وبعد السؤال عن الحال والاحوال، بدأ سرد قصته البكاءة الشكاءة، والقصة ببساطة انه يعاني منذ فترة طويلة من «الباصور» وانه وبعد معاناة طويلة مع هذا المرض المقزز، قرر ان يأخذ موعداً في أحد المستشفيات، وقد حصل على الموعد بالفعل، حيث سيذهب غداً الى المستشفى كي يدخل غرفة العمليات.

كان يقول لصديقه بانه يعاني من تقيحات، ويصف بالتفصيل الممل وضع القيح وحجم انتفاخ منطقة الباصور وانه لا ينام الليل من الوجع.

وكان الرجل يترك فترات صمت كان يبدو من خلالها يتلقى التطمينات وضرورة التوكل على الله في مثل هذه الحالات، لكنه كان يتجاوز ذلك ويعاود شرح الحالة

بالتفصيل الممل والمقزز.

الرجل أغلق هاتفه وعاود الاتصال بأحد اقاربه وبدأ معه رحلة الشرح الباصوري بنوع من التفنن في ايضاح أدق التفاصيل، وكما المرة الاولى ظل الرجل يتلقى التطمينات، لكنه كان يقاطع هذه التطمينات، ويسترسل في الشرح موضحاً انه سيضطر الى ان يقضي هذه الليلة عند أحد اقاربه لكي يكون قريباً من المستشفى.

وكنت اعتقد ان الوضوع توقف عند هذا الحد، لكن الرجل استمر بالاتصال بوالدته ووالده وشقيقاته

وهو يشرح حالته الصحية المقززة بالطريقة ذاتها، وكنت خلال ذلك الاحظ تململ بعض الركاب الذين يجاورون مساحة مقعده يتململون في مقاعدهم، لكن الرجل

استمرأ هذه الحماية الهاتفية التي كان يتلقاها من الآخرين، وظل يشرح.

المهم ان الشيء الوحيد الذي انقذ جميع من في الباص، ان المسافة بين عمان والزرقاء فكاهية، لكن ومع ذلك فقد كان ظل ذاك الرجل ثقيلاً وقيحياً طوال الطريق.

وأذكر اننا وحينما هبطنا من الباص، ورأيت الرجل يسير امامي كأني رأيت»باصوراً» يمشي على أرجل.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور