إن القيظ الذي عشت مناخه الجهنمي هذه الأيام استطاع أن يستلني مناخياً من حيزي العماني ومن ذاكرة مناخ بلاد الشام التي اشتهرت تاريخياً بالاعتدال. ويذهب بي الى أواسط السبعينيات حيث وطأت أرض أبو ظبي في شهر أيار عام 1976 .
وما زلت أذكر الدهشة التي اعترت ملامحي حينما خرجت من باب الطائرة وذاك الوهج الرطب الذي لفح ملامحي وأذكر أني كدت لا أصدق أن مناخاً أرضياً يمكن أن يكون بهذا الارتقاع في الحرارة وفي نسبة الرطوبة.
هذا المناخ أعادني الى شبابي الظبياني والى تلك الغرف الصغيرة الضيقة في الأحياء الشعبية في أبو ظبي قبل أن تصبح فيه أبو ظبي على هذا النحو من الجمال المعماري المدهش، وقبل أن يقوى العشب على تغطية مساحات كبيرة من الرمل الذي كان يأكل أرجلنا حينما كنّا نطأ لهيبه.
هذا المناخ أعادني الى تلك البيوت المتلاصقة التي كانت تتجاور فيها المكيفات وهي تطلق طنيناً معدنياً بضجة عدوانية، ضجة مُحملّة بروائح التوابل الهندية الممتزجة برائحة «النيفيا» التي كان الهنود يصرون على دهن أجسادهم بها ليل نهار.
وبالأمس حينما انقطعت الكهرباء عن بيتي في الشميساني، تذكرت على الفور انقطاع الكهرباء عنّا في غرفنا المتواضعة في «شعبيات» أبو ظبي، حيث كانت الحرارة التي لا تطاق تجعلنا نخرج كفراخ دجاجية هدتها الرطوبة والحرارة نحو البحر، كي نجلس في الماء الساخن ايضاً، وتحديداً في تلك المنطقة التي يختلط فيها هواء البر بالبحر.
مناخ هذه الأيام في عمان جعلني أتذكر تعرقي الدائم في أبو ظبي، وأتذكر أيضاً كيف يمكن لمدينة كاملة بأبنيتها وشوارعها وأزقتها أن تتعرق، مثلما جعلني أتذكر الاعتقال الذي كان يمارسه علينا قيظ ابو ظبي، بحيث نبقى طوال نهار والليل ننام على أسرّة بمواجهة جهاز التكييف، نتوسل المحطات التلفزيونية والضجر الذكوري الذي كنّا نعاني منه.
مناخ عمّان هذه الأيام أعاد ليّ ذاكرة كاملة. ذاكرة أقعدتني في البيت أمام جهاز التكييف، وأشعرتني بطعم ذاك الاعتقال المناخي الذي كنت أعاني منه في أبو ظبي.
مناخ عمّان هذه الأيام جعلني أجرجر خلفي ذاكرة مثقلة بضجيج الشباب وضجيج تلك الحماقات التي كنت قد ارتكبتها.
شكراً لقيظ عمان
|
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |