في اليوم الثاني من رمضان، كان الرجل حدٌق بتمعن عجيب، في الوجبة التي وضعتها أم الأولاد، والتي كانت عبارة عن صحنين، الأول فيه ملوخية بائتة، والثاني ما تيسر من حبيبات الرز، هذا إضافة الى صحن من القطائف التي ناضل نضال المستميت كي يوازن ثمنها مع دخله اليومي التي تدير مصاريفه أم الأولاد بحنكة نادرة.

الرجل سرح بعيداً في تلك البيوت الحجرية التي تكتظ بها العاصمة، وبتلك الشرفات المطلة على حدائق، وفكر بطاولة السفرة التي تحتل منتصف البيت، والتي يوضع عليها عند الافطار ما لذ وطاب من اللحوم والشوربات والسلطات والحلويات والمشاريب الباردة والساخنة، وحاول أن يتصور الغنج الطعامي التي تعاني منه تلك العائلات، وذاك الشره في التشهي التي يتراشق به ابناء العائلة. والرجل فكر بالفائض الطعامي الخرافي الذي ترميه تلك العائلات في الحاوية

والرجل فكر بتلك الهواية السمجة التي تمارسها احدى موظفات الشركة التي يعمل بها، وهي تصافح كل موظف وتسأله عن فطوره البارحة هو والعائلة، وكيف كان في كل رمضان يخترع لها جواباً طعامياً من بنات أفكاره، وحينما استنكر سؤالها هذا ذات مرة وسألها عن سبب السؤال، قالت بغنج غير مبرر انها هواية

الرجل فكر باستطالة رمضان الزمنية، محاولاً أن يربط دخله الشهري برغبات العائلة وتشهيهم للطعام، طوال هذا الشهر الفضيل، خصوصاً بعد أن حذف من راتبه أجرة البيت وفاتورة الماء والكهرباء. الرجل كاد «يتشردق» قهراً امام طعامه البسيط.

الرجل قرر فجأة انه لن يكرر الفاقة التي عاشها هو وعائلته في رمضان الفائت، وبناء عليه انتفض بدنه وهو يكاد يصرخ على طريقة «أرخميدس» قائلاً «وجدتها وجدتها». الرجل قرر أن يذهب هو والأولاد الى أي مسجد قريب، وقبيل رفع آذان المغرب، كي ينعم بتناول بعض المشاريب واللبن وحبات التمر، ومن ثم يتوزع هو والأولاد نحو أقرب خيمة من خيم موائد الرحمن، كي يحصل على وجبة غذائية كاملة تقيه هو والأولاد من حمى التشهي اليومي لأنواع الطعام.

أم الأولاد التي تحفظ معاناة زوجها عن ظهر قلب، قالت له على نحو مباغت :» يمكنك أن تفعل ذلك، وبالنسبة لي لا تحمل هم».

الرجل لم يفعل شيئا سوى انه ترك دمعة تنحدر فوق خديه.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور