طباعنا الاجتماعية تجاه المسنين منّا تبدو في شكلها النهائي وكأنها تستعجل وفاة أي مُسن في العائلة، ونلاحظ أنّ ما من أحد منّا يحاول أن يبث العافية والصحة في نفسية الرجل المُسن في حالة المرض، وهكذا نلاحظ أن أي زيارة لمريض مُسن تبدو وكأنها زيارة وداعية

وحينما يسمع الواحد منّا عن مرض أي شخص نلاحظ أنه يسأل بخبث واضح عن عمر المريض، وفي حالة كانت الاجابة أن المريض صار في عشرة الثمانين، سنلاحظ أن التعقيبات على مثل هذه الاجابةـ تصير على النحو التالي، «ياسيدي هوه بدو يعيش عمره وعمر غيره»، أو «بالدعاء له أن ربنا يحسن ختامه»، ثم تتوالى الأسئلة بعد ذلك عن نوعية مرضه ومدى خطورته، أو إن كان من أمراض الشيخوخة، وتتوالى الاسئلة بعد ذلك عن ميراثه، وعدد أولاده، وحجم أملاكه وهكذا.

أما بعض المتحذلقين في فن تكفين الاحياء فإنهم يسرعون بالالتفاف حول فراشه ويبدأون بالتعامل معه باعتباره مُسجى، فيقترحون أن يكون فراشه باتجاه الكعبة، ثم يأخذون بالدعاء له بأن يكون مثواه الجنّة، وهم يشرحون له فكرة الموات، وأن كل نفس ذائقة الموت، وهم يطالبونه بالاكثار من الدعاء والابتهال لله على ان تكون يد قابض الارواح خفيفة على الرجل.

وكثيراً ما يسري الهمس بين الزوار عن مكان السرداق، وسؤال أهله عن استعداداتهم لتكفين الرجل وغسل جثمانه وانتقاء مقبرته، لا بل أن البعض من الاقارب يقعون في شجارات حمقاء وهم يحلفون بأغلظ الايمان كي يرسو عليهم «عطاء» غداء الميت.

إن كل هذه المسلكيات الجمعية التي نمارسها تجاه المرضى المسنيين ليس لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بمسألة «الورع» والتدين، بقدر ما لها علاقة بإحساسنا العام بالقرف من الحياة الدنيوية، وإدماننا التاريخي على الإكتئاب الجمعي، الذي يستظرف إقامتنا في مساحة الاكتئاب حد الموت.

والغريب أن مرضانا وهم في سن الوهن حين يعايشون مثل هذه الاستدعاءات القبرية، وهذا الالتفاف القاتل، يبدأون هم أيضاً بالانسحاب القهري من الدنيا، ومعايشة وضعية الوداع.

والحال انني أدعو مجتمعنا بالرفق بالمريض المُسن، والعمل على دفق روح الحياة في عروقه ففي العمر ما زال هناك بقية


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور