ثمة عدوانية خاصة بدأت تتمظهر في مجتمعنا الأردني، وهي، ويا للغرابة تحولت بسبب تعدد تمظهرها خلال هذا العام الى ظاهرة تستحق التأمل بالفعل. وهذه العدوانية خاصة بالاعتداء على الغابات الحرجية الأردنية. فنحن نفهم أن تقوم اسرائيل بحرائقها التي تنشب على حدودها مع ألأردن، وجعل هذه الحرائق تمتد الى ألأراضي الأردنية، ونفهم ان العدو الصهيوني هو من ألد الأعداء للزيتونة الفلسطينية، لكن مالا يُمكن فهمه هو أن تتخلق مثل هذه الظاهرة عند بعض الاردنيين الذين بدأوا بافتعال الحرائق في أكثر من غابة حرجية أردنية.
وهؤلاء لا يعلمون أن الأردن أصلاً يعاني بما يمكن تسميته ب«اليُتم الشجري»، لكنهم ذاهبون في غيهم واهمالهم واقتناصهم الساذج لجمع الحطب الطازج للشتاء المقبل، بما يشبه السرقة المُعلنة
|
ويوم أمس ألأول نشرت «الدستور» خبراً عن اشتعال حريق في غابات عجلون وفي أشجارها المثمرة في مساحة تزيد عن المائتي دونم. شملت احراق أشجار البلوط والقيقب وأشجار الزيتون الرومانية المعمرّة.
خبر اشتعال هذا الحريق أعادني الى الدهشة التي تخلقت في روحي في مطلع التسعينيات من القرن الفائت، حيث نظمت لنا وزارة الثقافة أنا ومجموعة من الكتاب الأردنيين، اسبوعا ثقافياً في منطقة «اشتفينا»، وقد أتاحت لي هذه الرحلة أن أقيم علاقة رفاقية مع أشجار مكتظة تنتصب وحيدة ومتكاتفة في تلك المنطقة، وأعترف اني شعرت بالغياب الروحي اللذيذ وأنا أباغت هذه الأشجار الحرجية عند كل فجر من ذاك الاسبوع.
كان احتفالاً شجرياً نادراً عشته في تلك الأيام القليلة،وخصوصاً حينما شاهدت ولأول مرة في حياتي شجر القيقب، حيث أدهشتني تلك الأشجار بأغصانها ذات الألوان التي تشبه لون الدم في الوريد البشري.
وأعادني خبر الحريق الى ذاك الزيتون المُعمر الذي كان يدهشنا بطول استدارته بحيث يحتاج ضم تلك الشجرة الى أربعة رجال كي يحيطون بساقها، وبعضها كانت لها سيقان من الممكن أن يتوارى فيها رجل أو رجلين.
أعود للخبر الذي يبشرني بحرق ما يزيد عن المائتي شجرة حرجية في تلك المنطقة.
وأهمس لنفسي متسائلاً «يا الهي من هذا المجرم الذي أشعل في قلوبنا كل هذه المساحة الشجرية». وأُجيب نفسي «انه حمقنا الجمعي وعداوتنا للاشجار هي التي فعلت ذلك بالتأكيد».
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |