سقط أبومصعب الزرقاوي وأخذ معه أسرارا قد لا نعرفها أبدا! وترك وراءه أسئلة لا نملك إجابة عنها. وقد تظهر ألف رواية يعوزها الدليل حول كل ما يتّصل بالرجل وسيرته، وتحديدا منذ دخوله العراق.
كانت الولايات المتحدّة هي التي أطلقت اسم الزرقاوي في فضاء الإعلام على نطاق دولي، عندما كررّ كولن باول اسمه مرّة تلو المرّة في خطابه الشهير في الأمم المتحدّة قبل غزو العراق، وذلك في سياق اثبات صلة صدّام بالإرهاب. ولعل ذلك هو الأساس الذي أعطى ثقلا ورواجا لمقولة أن الزرقاوي شخصيّة وهميّة من صنع المخابرات الأميركية.
وقد نشأت حالة غريبة في علاقة الظاهرة الزرقاوية بالإعلام، إذ كان الأكثر والأقل حضورا على حدّ سواء! اسمه يجري على كل لسان، ويتكرر في كل نشرة أخبار، دون أن يظهر هو أبدا بأي طريقة، ولو لتأكيد انه شخص من لحم و دم. وبقي الإعلام يستخدم صورة قديمة بائسة تساعد فقط في تعميق الغموض المحيط بهذه الشخصيّة، والالتباس الذي أصبح معه الزرقاوي بطلا وشبحا في آن؛ بطل مقارعة الإمبراطورية العظمى وكذبتها الكبرى في الوقت نفسه. وكم صدف أن تسمع في الجلسة الواحدة، ومن الشخص نفسه، حديثا يبدأ عن الزرقاوي كشخصيّة وهميّة من صنع الأميركيين (لتشويه صورة المقاومة، أو تبرير بقاء القوات الأجنبية)، وينتهي عن الزرقاوي البطل الجدع الذي ركّع الأميركيين.
في الواقع إن إعلام التيارات الإسلامية، بما في ذلك في الأردن، لم يكن يمانع في رواج كلتا الصورتين؛ فالزرقاوي "صنيعة أميركية" تدفع الحرج الذي تسببه عمليات وحشيّة باسم الجهاد، مثل جزّ رقاب الرهائن وتفجير الحسينيات. والزرقاوي "بطل دوّخ الأميركيين" تعلي من شأن الجهاد الإسلامي.
لكن الوقت وتوالي الأحداث رجح كفّة الزرقاوي كشخصيّة حقيقية، وزعيم جماعة ناشطة، مع تحفظ البعض حول أهميتها ودورها الذي ينفخ فيه الإعلام الأميركي كثيرا. لكن على المستوى الشعبي، يجب الاعتراف أن الرجل كان يتحوّل إلى بطل حقيقي، لا يريد أحد ان يصدّق انه يقدم على عمليات سيئة، مثل تفجير الحسينيات الشيعية والقتل العشوائي للمدنيين، حتّى جاءت تفجيرات عمّان. فكان وقع الصدمة ثقيلا على الرأي العام، حتى إن بيان تنظيم الزرقاوي في تعليقات عبر الإنترنت بدا اعتذاريا وتبريريا بصورة غير معتادة، لاكتشافه الأثر المدمّر على صورته لهذه العمليات، وبقي من لا يريد أن يصدّق أنها من صنعه، أو أشفق على صورة البطل في وجدانه. هذا فيما كان الميل العام قد تكرّس لتصديق أن الزرقاوي شخصيّة حقيقية ورئيسة في العراق، عندما قرر الظهور بلحمه ودمه في أول شريط مصوّر للتعبئة السياسية ضد الوفاق الوطني على العملية السياسية. وبدا قريبا فعلا من صورة القبضاي التي عرفه بها من زاملوه.
المراقبون المطّلعون كانوا يعرفون جيدا من هو الزرقاوي؛ فسيرته متوفرة لكل من يريد ان يقرأ ويتابع، لكن الغموض والتساؤلات كانت تحيط بمرحلته العراقية الأخيرة. فمن المعلوم أن القاعدة هي ظاهرة أكثر منها تنظيما دوليا هرميا، ويمكن أن تتشكل وتعمل على غرار الزرقاوي جماعات وجماعات في كل ساحة وتحت أي اسم، لكن قوّة الزرقاوي وحضوره الطاغي أثار كثيرا من التساؤلات؛ من يدعمه؟ ما هي ارتباطاته وقنوات اتصاله؟ محللون جادّون حلفوا على علاقة وثيقة مع استخبارات إيران، رغم استهدافه الشيعة؛ فمن جهة أخرى يخدم هذا العمل أجندة الفرز الطائفي وضمّ الشيعة تحت العباءة الإيرانية. لكن تبقى هذه وغيرها تحليلات يعوزها الدليل الأكيد.
لدينا قصّة غامضة تتقلب أحداثها بين أكثر الأفعال وحشيّة ونذالة، وأكثرها إقداما وبطولة، كما ينبغي لقتلة وقطّاع طرق ومتمردين على النظام العام أن يؤسطرهم التراث الشعبي القديم في كل مكان. والزرقاوي ابن الحارة الذي رفع نفسه إلى مصافي العدو الأول لأعظم قوّة كونية لن يروي أبدا قصّته، فليس لأسطورة أن تنهي ذاتها برواية حقيقية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري