سبق وان اجتاحت اسرائيل لبنان حتى بيروت، وعادت حركة المقاومة للظهور اكثر شراسة وقوّة. الآن بدأت القوّات الإسرائيلية محاولات اختراقٍ برّي يجد مقاومةً شرسة في اقرب النقاط للحدود مثل مارون الراس. وسنضع احتمال ان يستمر القتال حتى تحقق اسرائيل السيطرة حتى نهر الليطاني، فماذا بعد؟
القضاء على حزب الله ليس هدفا عمليا، واذا خسر الحزب رجالا فسيجد المزيد منهم واذا خسر اسلحة وصواريخ فسوف يصله المزيد منها لاحقا. اذن في نهاية المطاف هناك مشروع سياسي وترتيبات دائمة هي الحلّ الحقيقي. وسرّ المأزق العسكري الإسرائيلي يتمثل بسؤال: ما هي الأهداف السياسية من إدامة الهجوم؟ فما يمكن تحقيقه الآن، وفي اي وقت لاحق، ليس اكثر مما كان ممكنا تحقيقه بعد يومين من الحرب.
فبعد الضربة الموجعة للبنان اصبح ممكنا للأطراف اللبنانية والعربية والدولية أن تأخذ على حزب الله تفرده بالقرار وتقترح ترتيبات لبسط سيطرة الدولة على الجنوب. لكن هذا الترتيب يحتاج الى توافق سياسي تُطرح من خلاله، ايضا، قضيّتا مزارع شبعا والأسرى، فحلّ هاتين المشكلتين مع عودة سيطرة الدولة اللبنانية، ولو عبر مرحلة انتقالية، بوجود قوات دولية في الجنوب، ينهي مبررات وجود قوّات مسلحة لحزب الله، بما في ذلك عدم امكانية اشعال الجبهة اللبنانية لحساب أطراف أخرى.
باستثناء الولايات المتحدة واسرائيل فإنّ الأطراف الدولية كان لديها مثل هذا المشروع للمطالبة بوقف اطلاق النار، فماذا لدى اسرائيل وادارة بوش؟ ولماذا لا تريد الحديث عن اية مبادرة سياسية وتصر على منح مزيد من الوقت لآلة التدمير الاسرائيلية؟! اجتهد بالقول ان الجواب يكمن في طبيعة الطرفين اللذين يحوزان على نظرة حولاء ومتعصبة وسطحية، هي التي حكمت كل القرارات والسياسات الحمقاء، كما في الحرب على العراق التي عارضها الجميع وبيّنوا مخاطرها، ورفضت الإدارة الأميركية، ولا تزال لا تريد الاعتراف بأخطائها وهي تحاول ترقيع الكوارث التي قادت اليها. وعلى النهج نفسه يريدون الآن حسما عسكريا يتصف بالاستعلاء والثقة المفرطة بالقوّة دون التفات للثمن الانساني والأخلاقي الباهض، وبرؤية سياسية احادية مفرطة في التسطيح.
تماما كما رأت الإدارة الأميركية في حرب العراق مدخلا لترتيبات "واثقة" لشرق اوسط كبير مرتب في خيال بوش واركان ادارته، كذلك الحال الآن في لبنان، وفق ما نطق به لسان رايس بكل ثقة، فهي لا تريد وقف النار لأنها "وعد كاذب" وعودة للشرق الأوسط القديم، في حين أنّ هدف الحرب الحالية خلق الشرق الأوسط الجديد؟! كيف سيتحقق هذا ميدانيا؟ هذه مشكلة اميركا واسرائيل الآن، كما كانت دائما، ابتداء بالوضع الفلسطيني، أي الافتقار الى رؤية موضوعية حكيمة وعادلة، ولو بالحدود الدنيا.
يجب ان ينتبه العرب. ويجب ان لا ينظروا الى حزب الله كأداة ايرانية فقط. فهنالك خيار عربي ثالث يجب ان يتمرد على الحماقة الأميركية والصلف الإسرائيلي، وهذا ممكن لأن المشروع الأميركي- الاسرائيلي ليس واقعيا ولا يفضي الى استقرار او سلام. ليس هنالك عربي لا عاقل ولا عقلاني ولا معتدل يحتمل هذا الخط الأميركي- الإسرائيلي. وليس صدفة ان يثق نصرالله ان عواطف زوجات وأبناء الزعماء العرب مع حزب الله.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري