استمعت الى كلمة رئيس الوزراء الافتتاحية في ملتقى كلنا الأردن، حيث قدّمت رؤية متكاملة بصياغة محكمة تستحق القراءة و التعليق. تمنّى الرئيس، ابتداء، ان تقود الدعوة الملكية لهذا الملتقى الى تأسيس تقليد وطني راسخ وآلية منتظمة للمشاركة الأوسع من الفعاليات واصحاب الرأي والخبرة في رسم الرؤية الوطنية لمستقبل الأردن وخياراته، بوصف هذه الآلية اسلوبا ابداعيا وليس بديلا لعمل مؤسسات الدولة.
تحدث الرئيس عن التحديات التي تواجه الأردن مبتدئا بتحديد مفهوم الأمن الوطني الذي يشمل حاجات الدولة والمجتمع ويتضمن عمليا عناوين التحديات الاخرى ومنها تحدّي التنمية السياسية الذي أعلق عليه الآن. يقول د. البخيت ان الخطط الحكومية يجب ان تستند الى رؤية استراتيجية تحدد للأردن شكل النظام السياسي والاجتماعي الذي نريد، وأن يصمم اطار زمني مناسب وواقعي للوصول الى هذا الشكل. ويلاحظ الرئيس ان التغيير السريع وغير المنضبط من جهة، وكذلك البطء والغموض والتردد من جهة أخرى؛ كلاهما يهددان الاستقرار السياسي والأمني.
اذا كان لي ان اقدّر الى ايّ من الحالتين نحن اقرب (حتّى الآن)، اقول اننا اقرب الى البطء والغموض والتردد. ودليلي اننا كلما بلورنا افكارا وخططا نعود لتعليقها والبدء من جديد لننتج الافكار والخطط نفسها (فليس هناك ما يمكن اختراعه غير ما سارت عليه الانظمة السياسية الديمقراطية والمجتمعات المتقدمة)، وغالبا ما يكون القفز الى المجهول والمخاوف الامنيّة والتوترات الاقليمية هي الحجّة للإحجام عن اي خطوة عملية.
لنقف اولا عند تصميم الاطار الزمني، الذي تحدث عنه الرئيس، إذ قسمه الى مرحلتين؛ الاولى تطوير متدرج للنظام السياسي الاجتماعي والثانية نصل بها الى تشكيل الحكومات على اساس الأكثرية البرلمانية الحزبية. والدولة تقود هذه العملية الانتقالية. لكن الرئيس يلاحظ، عن حق، ان التنمية السياسية ليست عملية حكومية تنفذ بقرارات وزارية، فهذه عملية تحول المجتمع من الانماط التقليدية القديمة الى الأنماط المعاصرة، ودور الحكومة يتمثل بوضع الأطر التشريعية الملائمة تباعا.
ان الحكومات الثلاث الأخيرة رغم المقدمات النظرية والالتزام الذي ورد في برامجها لم تُقدِمْ على اي من التشريعات التي تضع قدمنا في المرحلة الأولى، وكان هناك دائما تحول في الأولويات لأسباب محلية أو اقليمية، لكن بالتدقيق مليا فيما يحدث في الاقليم، بما في ذلك تداعيات ما يحدث في لبنان، نستشعر كم ان الانظمة السياسية في منطقتنا تنكمش في عيون الجمهور وتعيش خطر الافتقار الى التكوينات السياسية الوطنية الشريكة في المسؤولية.
على جدول عمل هذه الحكومة الآن سلسلة من التشريعات ذات الصلة؛ منها قانون الاحزاب، ونأمل ان تعمل الحكومة على انجازه في الدورة الاستثنائية، كي نتمكن من رؤية بعض مفاعيله في الانتخابات القادمة. لكن من المؤسف ان البعض بدأ سلفا يفكر بتنحية مشروع التغيير في النظام الانتخابي تحت الحجج ذاتها، مع انه مكمّل لقانون الأحزاب في تحفيز التطوير السياسي. ونحن لا نتحدث عن تغيير في القانون ينطوي على التسرع، الذي اشار إليه الرئيس، بل عن تعديل محدود يمثل خطوة اولى في عملية متدرجة. لكن طروحات التأجيل، وفي النهاية بقاء القانون القديم نفسه لانتخابات قادمة تمدد الوضع القائم نفسه لخمس سنوات اخرى، هو عينه نهج البطء والغموض والتردد الذي حذّر منه الرئيس.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري