ما من وقت ازدحمت فيه عمان بالمطاعم مثل هذا الوقت، وما من وقت مرّ على عمان واختلفت فيه الأمزجة الطعامية مثل هذا الوقت، وربما يعود هذا الى ازدحام عمان بالوافدين العرب، وبشكل لم يسبق له مثيل. فالمصري يجد الطعام الذي يناسب تذوقه التاريخي للأطعمة، والحال ذاته ينطبق على السوري واللبناني والعراقي. والحق يقال انه حدث هناك حالة من تبادل الخبرات الطعامية عند الشعب الأردني وعند الوافدين العرب على السواء.

وصارت "الكبسة" وهي بامتياز من ابتكار المطبخ الخليجي، أقول صارت ضمن قائمة الأطعمة الاسبوعية التي يتناولها المواطن الاردني مع عائلته بنوع من الاشتهاء الغريب.

والصحيح ان الخبرات الطعامية صارت تبثها الفضائيات على تنوع مشاربها، لا بل صار لدينا فضائية مختصة ببث البرامج التي يتم فيها تحضير الأطعمة العالمية بكافة أنواعها. وصار "الشيف" شخصية مرغوبة ويتم متابعتها وملاحقتها بالغنج الهاتفي النسوي للسؤال عن طريقة هذا الطعام أو ذاك ولعل "الشيف" رمزي والعديد من مقلديه، أكبر دليل على تفشي مثل هذه الظاهرة.

وفي هذا السياق أصبح كتاب تعليم فن الطبخ من الكتب التي تتسيد بحضورها مكتبة كل بيت، وذلك بسبب ما تحويه من فنون وأفانين في علم الطعام وحجم السعرات الحرارية.

ومن يتتبع أوضاعنا الطعامية ومواصفاتها سيجد أن الرجال الذين ظلوا يتسيدون على المرأة على اعتبار ان صناعة الطعام من أهم ميزاتها، قد تحولوا في يوم وليلة الى معلمين وخبراء في هذا المجال. واحتلوا مكان المرأة

وعودة على المطاعم التي صارت تتفشى كالفطر في كل مكان اردني فإني أشعر بالدهشة من فشل صاحب مطعم فول وفلافل، في إتقان عمل صحن فول.

وأذكر أن الصدفة البحتة قد ساقتني ذات ضحى وبالتحديد عند سقف السيل الى أحد المطاعم العريقة في تقديم وجبة الفول، وحينما جلست على مقعد صغير واحضر لي الصبي صحناً من الفول، شعرت وأنا اتناوله أني أمضغ حصى، فما كان مني الا ان شعرت بالانفعال الشديد وأنا أطالب بحضور صاحب المطعم، وحين وقف أمامي سألته على نحو مباغت عن سنة تأسيس المطعم، فأجابني الرجل أن مطعمه هذا قد تم تأسيسه في الخمسينيات من القرن الفائت، وحينها صرخت في وجهه وانا أقول" هل يحتاج عمل صحن الفول الى أكثر من نصف قرن، حتى يصنع بشكل جيد، والله عيب عليكم".

قلت هذا وسط ذهول صاحب المطعم والجالسين وخرجت.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور