أعترف بأني وكلما مرّ بجانبي مجنون، أحس أن القشعريرة تنتشر فوق مساماتي، ولا أدري ما سر ذلك، انها حالة من الخوف الغامض التي لا يمكن تفسيرها.

وأعترف أني كلما رأيت مجنوناً يجوب طرقات عمان وأزقتها أصاب بنوع من الفضول لمعرفة حالة التجلي في جنونه، والحالة الخارجة عن الطبيعة التي تجعله يبدو في عيون الآخرين مجنوناً ويتملكني الفضول أحياناً وأنا أراقب جميع حركاته ومتغيرات ملامحه باسلوب مجهري.

فبعضهم تراه يروح ويجيء في مساحة محددّة تاركاً صوته مجلجلاً وهو يخطب بالناس طالباً منهم التكبير أو التهليل، والبعض الآخر تراه يمد يده وهو يرسم كلمات في الهواء وهو يبتسم لما تخطه أصابعه في الهواء وبعضهم تراه يؤثر الوشوشة وهو يسير تاركاً ذراعيه تتحركان بنوع من المهادنة النادرة.

جميع أشكال المجانين تراهم يتحركون في وسط البلد بنوع من الاعتياد وكأن وسط البلد هو المصب النهائي لكل عاهاتنا الاجتماعية.

أحد هؤلاء المجانين لفت انتباهي قبل مدة وجيزة، وذلك حين رأيته يجلس مقرفصاً وهو يأكل صحناً كبيراً متخما بالكنافة، وكان يلتهم الكنافة بطريقة همجية تاركاً «القطر» يتسرب الى ذقنه الطويلة جداً، وحينما انتهى من تناول وجبته رأيته يمد ذراعه ويمسح ذقنه بقماش قميصه الرث والوسخ جداً. الى ذلك أدخل يده النحيلة في جيبه واستل سيجارة وأشعلها وأخذ نفساً عميقاً ثم نفث الدخان في الهواء بمتعة نادرة.

تكررت مشاهدتي لهذا المجنون؛ لا سيما وأني من المدمنين على التمشي في وسط البلد، وقد لا حظت انه يختار مكاناً واحداً بجوار بسطة باعة الكتب. وقد كان هذه المرّة يجلس وهويحاور شخصاً وهمياً بطريقة استفزازية، وفي غضون ذلك كنت أراه يسجل بقلم حبر جاف ملاحظات خاصة بالمكالمة الوهمية التي يُجريها مع نفسه

وفي لحظة مباغتة وجدته ينهض منفعلاً ليعطي صاحب بسطة الكتب نصف دينار كثمن لصحيفة القدس العربي، ومن ثم عاود الجلوس وغاب في قراءة عناوين الصحيفة.

وعندها وجدتني استغيث بصاحب الكشك المكتبي وأسأله عن هذا المجنون المثقف فرد عليّ قائلاً «قبل أن يفقد عقله كان مهندساً معمارياً» فسألته عن الذي قاده الى مثل هذه الحال من الجنون، فردّ علي الرجل قائلاً» سبب جنونه زوجته يا استاذ»

وعندها غادرت وأنا أفكر بنوع الزوجات اللواتي يفقدن الرجل عقله.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور