لاننا لا نتفقد أجسادنا بالكشف الطبي المواظب بين فترة وأخرى، فإننا وعلى الأغلب نبدأ بدفع فواتير هذا الاهمال بعد ان نتجاوز الأربعين على الأكثر، والغريب أحياناً وحين يستهم الواحد منّا وبعد الحاحات كثيرة من الجسد أن الأخير يبدأ بارسال شاراته التي تدلل على استفحال الداء، ويذهب الى الطبيب المختص بعدم القدرة الفعلية على تشخيص المرض. ولهذا كثيراً ما يخضع العلاج الى التخمين.

وما زلت أذكر كيف تعرضت الى أزمة في القولون في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم، بحيث صار القولون عندي يعطيني أعراضا تشبه أعراض الجلطة القلبية، وكانت ثقافتي القولونية آنذاك أكثر من أمية. فعشت حالات رعب لا يعرفها الا من يعاني من مرض القولون، وقد بدأت أستعمل العلاج الخاص بالقولون لمدة تزيد عن سبع السنوات، هذا عداك عن الأعشاب الغبية التي كان ينصحني بها بعض العطارين وكنت أواظب على تناولها، وكان يرافق ذلك حميّة كانت تغلف روحي بالكآبة.

ومع تصاعد الاحساس بالمرض قررت وأنا في أبو ظبي الذهاب الى طبيب نيجيري في عيادة خاصة، وحينما قام بفحصي والاطلاع على صور الأشعة وصور القولون، قال لي» أنت لا يوجد عندك شيء بالقولون، أنت مشكلتك في غشاء المعدة الذي تجعله بتوترك في حالة استنفار دائم فيعطيك اعراض مرض القولون، فأنت وعلى سبيل المثال حين ترى شخصاً لا تحبه يبدأ عندك غشاء المعدة بالتوتر».

فقلت له وماذا عن الحميّة والطعام؟ فقال لي تناول الطعام الذي تريد وتحاشى فقط التوتر فقلت «ولكن يادكتور ماذا أفعل بالأدوية التي انتظمت على تناولها؟ فرد بثقة « ارمها في أول سلة مهملات»

صديقي الحميم الذي كان يرافقني منتظراً في قاعة الانتظار عند الطبيب، والذي كان يشفق على صحتي التي تدهورت جراء الحرمان المتعمد من الطعام، سألني حينما خرجت «ها.. طمني» فقلت له «تصور اني لا أعاني من مرض القولون، وان كل القصة وما فيها ان غشاء معدتي يتوتر عندما أتوتر» ابتسم صديقي لا بل قهقه ضاحكاً وهويقول « تعال معي اذن».

هبطنا يومها المصعد، وقادني صديقي الى أول مطعم يختص بالمشاوي، وحينما جلسنا طلب كيلو لحم مشكل، وأذكر أني أكلت يومها بنهم المحروم طبياً، وأني أخذت أفكر كم كنت غبياً حينما صدقت الاطباء الذين كان تشخيصهم الطبي لا يخرج عن دائرة التخمين.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور