خيار الانتخابات في فلسطين، للخروج من المأزق الراهن، خيار مشروع، ولكن... ليكن واضحا: هذا ليس خيارا للدوران في نفس المتاهة التي لا ينتج عنها شيء؛ فالفلسطينيون لا يحتاجون الى هذه الانتخابات اذا لم يترتب عليها الدخول في مشروع نهائي للمفاوضات والحلّ، هذا اولا. وثانيا، يجب ان يكون مضمونا من قبل المجتمع الدولي، وبصورة قطّعية، ان اسرائيل لن تتلاعب ولن تتدخل بأي صورة للتأثير على الانتخابات. فكل تدخل اسرائيلي، حتّى لو كان ظاهريا لصالح الرئيس محمود عبّاس سوف يضرّ به ضررا شديدا، وان غارة وحشية واحدة، ينجم عنها قتلى وجرحى قد تقلب نتائج الانتخابات. وكذلك، لا يمكن اجراء الانتخابات مع وجود وزراء واعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني في السجن، أكانوا من حماس أم من غيرها.
ظاهريا، قد تكون اسرائيل مع نجاح عبّاس، وباطنيا مع حماس لكي ترمي الفلسطينيين الى هاوية بلا مخرج، تعفيها من استحقاقات الحل، وتعيد لسنوات قادمة وقاتمة مقولة عدم وجود شريك فلسطيني، وعدم جاهزية الفلسطينيين للسلام.
وقد يقول قائل: ومن انتم حتى تقدموا الاشتراطات، و"تتدللون" وكأنكم في موقع قوّة تتفضلون منه بالانتخابات على اسرائيل والعالم؟ فنقول: ان الانتخابات ليست حاجة فلسطينية داخلية؛ فمن هذا الجانب حصلت الانتخابات، وجاءت بأغلبية حقها ان تحكم، لكن الفلسطينيين مايزالون تحت الاحتلال، والعالم يشترط حكومة قابلة بالمفاوضات وفق المرجعيات المعروفة، والانتخابات هي بمثابة استفتاء للشعب الفلسطيني على هذا الأمر، وليس على من يدير شؤونه الداخلية. فاذا لم تكن العودة الى المفاوضات مكفولة وفق آلية ذات مصداقية، وتحت اشراف دولي، فلا جدوى ولا مبرر لهذه الانتخابات.
لقد قيل ان الشعب الفلسطيني اختار حماس لنظافتها، وليس لأنه يؤيد برنامج الرفض للتسوية، لكنننا نضيف ان تصويته عبّر ايضا عن اليأس من التسوية، وان استفتاء عادلا على استعداد الشعب الفلسطيني للذهاب في طريق التسوية يفترض ببساطة وجود مبادرة صادقة نحو هذه التسوية.
اذن، العودة الى الانتخابات تفترض أمرين: وجود مبادرة ذات مصداقية للسلام، والتزام اسرائيلي بضمانات دولية للامتناع عن اي عمل عسكري، وسلسلة اجراءات مثل اطلاق سراح القيادات المعتقلة، وازالة الحواجز العسكرية، وانهاء الحصار، ومن دون ذلك فاجراء الانتخابات مغامرة أخطر كثيرا من عدم اجرائها.
يبقى ان انقاذ الفلسطينيين من هذا الخيار الخطر مايزال ممكنا، وهو بيد حماس اذا عادت الى وثيقة الالتزام الموقع من هنيّة على نقطتين: 1- التزام حكومة الوحدة الوطنية بالاتفاقات الموقعة من الحكومات السابقة، و2- قبول مبادرة السلام العربية.
ومن جانبها، اضافت وزيرة الخارجية الأميركية رايس التزامات الرباعية الدولية، وهذا املاء زائد عن الحاجة؛ فاسرائيل وضعت عشرات التحفظات على خريطة الطريق، ويجب أن تدعى حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية الى مفاوضات حقيقية، تحت رعاية الرباعية العتيدة لتنظر في طروحاتها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري