حينما تشتبك المسائل الحياتية في الرأس وتولد لديك ذاك الحنق الكوني على كل شيء، فإنك تعتقد أن هذا يجيء بسبب عملك المهني،ولهذا تعتقد واهماً أن الاجازةهي الحل الوحيد لانقاذ رأسك من كل الترهات التي تغلفه وتثقل عليه

وهذا ما فعلته في الاسبوع الماضي حين شعرت أن مناخي النفسي والروحي يعاني من طلسمة ما لم تعجبني، ولهذا اتخذت قراري السريع بطلب اجازة من «الدستور».

وكان أن جلست وحيداً مع نفسي امارس تثاؤباتي «الخليلية»، التي أعرفها جيداً، طالباً من رأسي التحرر من كافة الالتزامات المكانية والاجتماعية، وتحاشي كل الانفعالات الحياتية التي عادة ما تزيدني حمقاً. ومصراً على عدم التفكير في أي قضية يمكن أن تكون مشروع زاوية صحفية، وتحاشي تلك العين القاصة والصقرية التي تحاول ان تلتقط أي مشهد حياتي أو اجتماعي ذلك أني شعرت بالضجر من اصطياد المفارقات في الشوارع والأسواق والحافلات. وأني أعيش في مجتمع ممتلىء حد التخمة بالمفارقات

لكني فوجئت بحادثتين ترتسم فوق رأسي صبح مساء وهما الذبح والقتل اليومي الذي يحدث في المدن السورية وتلك المقابر السرية التي تكشف عنها الفضائيات، والاستطالة الموجعة للمقابر الجماعية، أما الحادثة الثانية فكانت المسيرة التي توعدت بها جماعة الاخوان المسلمين، واحتلال هذه المسيرة واستنزافها لطاقة الاعلام الاردني، وهو يحذر من الفتنة.

الاجازة مرت وانا اعاني من خبل خيالي السياسي الذي تعود تاريخياً على رسم الكوارث المتوقعة في حالة حدوث اي انزلاق هتافي من تلك الدهماء التي تظل تخيفني تاريخياً وهي ترتكب الحماقات المدمرة، وقد كنت أفكر ايضاً بقدرة سوريا على تصدير أزمتها الداخلية بافتعال حرب اقليمية لا تبقي ولا تذر، وخصوصاً عندما تم التحرش بمدينة حدودية تركية.

وقضيت الاجازة وانا أفكر بتلك الجملة القصيرة التي اطلقتها وزيرة الخارجية الامريكية السابقة كوندليزا رايس وهي تقول «ان العالم بحاجة الى ايقاظ تلك الفوضى الخلاقة»، ولاستنتاح أن الفوضى الخلاقة هي التي تقف بالمرصاد للوطن العربي وأقطاره كي تقلب الأمور راساً على عقب، بعد كل هذا الركود السياسي الرسمي العربي بعدما يزيد عن نصف قرن من الخمول السياسي، ذلك ان نتائج مثل هذه الفوضى لا بد وأن تسفر عن وجه جديد للمنطقة

اليوم انتهت اجازتي وشعرت أن فكرة الاجازة في مثل هذه الظروف عبارة عن وهم وذلك بسب ذاك الثقل الزئبقي لغيوم الدم التي ما زالت تحلق فوق رأسي.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور