تذهب الى المهرجان الخطابي والسياسي، وحينما تجد مقعدك وسط الحضور بصعوبة، وتجلس تمر لحظات وانت تعاني من مستوى الرقة والتهذيب عند الجمهور، وهم يفسحون لك المجال كي تصل الى مقعدك.
لحظات ويطل عريف الحفل الذي يبدو كمهرج وهو يربط بين حلقات المهرجان فيحاول ان يكون عميقاً في التقديم، ولا مانع ان يكون سطحياً في بعض الأحايين
|
ومع إطلالة أول خطيب في المهرجان تبدأ حينها حالة عجيبة من التقمص المسرحي لا للخطيب وحده بل لجميع الحاضرين في القاعة،حيث تبدأ معاناة التقمص عند الرجال الذين فازوا بالصف الأول من المقاعد،حيث يمكن ملاحظة الوقار المبالغ فيه عند هؤلاء، ربما لكي يثبتوا للحاضرين أنهم يستحقون هذا المستوى الذي يجلسون فيه. واذا حاولت التدقيق في الأمر ستجد أن هؤلاء من أكثر الحضور معاناة في تقمص الجدية التي تتناسب مع مثل هذا المهرجان المقدس،وهم على الأغلب يعملون وبنوع من الايقاع الخفي على اغلاق هواتفهم كنوع من الاستغراق في التقمص.
وبالطبع تبدأ معاناة التقمص تخف تدريجياً كلما ابتعدت في مقعدك عن الصفوف الاولى، حيث يمكن لك أن تتثاءب أو حتى ان تغفو، كما يمكن لك أن تتبادل الهمس مع من يجاورك أو من تجاورك | |
التقمص الحقيقي والجمعي المحكم يبدأ بالفعل حين يظهر الخطيب الأول في المهرجان، وبالمناسبة يجب أن تتوفر في الخطيب العربي بعض الشروط مثل الثقل في نبرة الصوت، والخبرة المدربة جيداً على الارتجال والمشافهة،ومعرفة المفردات الرنانة القادرة على الحفر عميقاً في وجدان الجمهور.
وهنا تبدأ عند الخطيب المفوه حالة عجيبة من الانسحاب التدريجي من المفردات التي يتداولها عامة الناس ليذهب الى المعجم اللغوي العربي حيث الانتقاء لمفردات نائية تاريخياً ونادرة الاستعمال، كي يبث فيها الحياة من جديد، ويتنوع اسلوب القاء مثل هذه الكلمات كتنوع الموسيقى العربية ومقاماتها المتعددة.
تتوالى بعد ذلك الخطابات على نفس النهج وذات الطريقة، والى ذلك ينتهي المهرجان حيث يتنفس الجميع الصعداء من حالة التقمص الجمعية وثقلها على النفس، حيث يعود الخطيب فرحاً الى مفرداته العادية في النطق، كما يعود جلساء المقاعد الأولى الى صفات حياتهم الاعتيادية، أما جمهور المقاعد الخلفية فحدث ولا حرج | |
والمهم ان الجميع يغادرون المكان وهم ينفضون عن أرواحهم غبار ثقل ذاك التقمص الذي سرقهم من فهاهة حياتهم | |
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |