هزّت كوريا الشمالية المجتمع الدولي، وإذا كان التفجير النووي قد أحدث هزة أرضية بدرجة 4.5 على مقياس ريختر فالهزّة السياسية أكبر كثيرا.
هل نستطيع القول الآن إن كوريا الشمالية تملك قنبلة نووية؟ الولايات المتحدّة تبدو محتارة بين التضخيم أو التحجيم لقيمة التفجير، وهو ما تعكسه التقارير التي تقيّم حجم التفجير ومعناه بالنسبة لقدرات كوريا النووية. وعلى افتراض أن بيونغ يانغ أصبحت تملك الآن قنبلة نووية، فما هي قيمة امتلاكها لهذه القنبلة ولماذا تريدها؟
مشكلة السلاح النووي أن ضخامته الاستثنائية هي عنصر قصوره في الوقت نفسه، فهو الاحتياط الأخير الذي يكاد يكون غير قابل للاستخدام، وقد أمكن استخدامه مرّة واحدة من الولايات المتحدّة في الحرب العالمية الثانية حين لم يكن أي طرف آخر يملكه، لكن من لحظة امتلاك آخرين له لم يعد صالحا للاستخدام في الحرب، لأنه يعني الفناء المتبادل، ولذلك دخل المعسكران الشرقي والغربي في حرب طاحنة على الأرض الكورية بالذات انتهت بتكريس انقسام كوريا دون أن يفكر أحد باستخدام هذا السلاح.
امتلاك الاتحاد السوفييتي للسلاح النووي أقام توازنا حيّد هذا السلاح، لكن السباق على التسلح أنهكه دون جدوى فقد انهار من الداخل لأسباب أخرى ودون طلقة واحدة. وتكاد الأسلحة التقليدية تكون أهم كثيرا لحساب ميزان القوى في المواجهات والحروب فهي المرشحة للاستخدام الفعلي، وأي دولة صغيرة لو فكرت في استخدام قنبلة نووية واحدة تعرف أنها في اليوم التالي لن تكون موجودة لأنها يمكن ان تقصف بعشرات القنابل المماثلة. وفي حينه فإن صدّام حسين لوّح بـ"السلاح الكيماوي" كقوة ردع حاسمة، لكنه لم يستخدمه حين وقعت الحرب عام 91 فقد كان ذلك بمثابة عمل انتحاري نهائي، ولسنا متأكدّين أنه كان سيستخدمه في حرب 2003 حتّى لو كان ما زال يحتفظ به.
السلاح النووي بيد كوريا الشمالية يصلح لاعتباره وسيلة دفاع قصوى في حالة الهجوم على النظام لإسقاطه ودون ذلك فهو لن يعطي أية ميزات. فكوريا الشمالية نظام مأزوم وهو على غرار العرب تحوّل إلى جمهورية وراثية ويعاني من التخلف وضعف الاقتصاد وتدني المستوى المعيشي حتى إن المجاعة ضربت شعبه في بعض الأوقات، ويمكن لأميركا أن تستمر في سياسة الحصار الاقتصادي والعزل والضغوط التي ستديم وتعمق مازق النظام دون إن يسعفه بشيء امتلاك السلاح النووي.
السلاح بيد بيونغ يانغ كحالة معزولة يمكن التعاطي معه، ولن يكلف الولايات المتحدة سوى غض النظر عن اجتياح البلد لإسقاط النظام وهو خيار لم يكن واردا على الأرجح، لكن الخطر الأعظم هو أن كوريا قد تمرر هذا السلاح إلى أصدقاء لم يتمكنّوا بعد من اقتنائه مثل ايران، وهذا ما سيقض مضاجع الولايات المتحدّة، وهنا يمكن ان نتحدث عن الزلزال الاستراتيجي بامتلاك بلد مثل كوريا الشمالية هذا السلاح.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري