يخفف من وقع الحكم على صدّام بالإعدام وجود التمييز، فلسنا بعد أمام المحطّة النهائية. وسوف يكون هناك انقسام عميق حول القرار الصحيح بشأن صدّام؛ فإعدامه مشكلة، وبقاؤه مشكلة! لكن كل ما يتصل بهذه المحاكمة هو جزء من مسلسل الأخطاء، ابتداء بالخطيئة الأصلية المتمثلة بقرار مراهقي عصابة المحافظين الجدد اجتياح العراق.
ولنبدأ من الآخر. ففي كل يومين اثناء المحاكمة في قضية الدجيل، كانت تقع جرائم اغتيال وإعدام خارج نطاق القضاء من قبل مليشيات جهات مشاركة في الحكم، عدد ضحاياها يفوق عدد ضحايا الدجيل! هذا وحده كفيل بجعل المحكمة مهزلة.
وعدد الذين سقطوا في كل القضايا المرفوعة على النظام السابق بات يشكل نسبة ضئيلة من عدد المواطنين الأبرياء الذين سقطوا على يد جميع الأطراف المتنازعة الآن، ونحن لا نتحدث عن ضحايا المواجهات العسكرية بين مقاتلين، أكانت مواجهات مع اميركيين أو بين عراقيين، بل عن ضحايا جرائم موجهة مباشرة الى مواطنين عُزّل، ليسوا في وضعية قتالية. ألا تكافئ هذه من حيث النوع جرائم حلبجة وغيرها؟!
ولا نستطيع ان نجزم بشأن الشرعية القانونية للمحكمة، في اطار ما هو مستقر من أعراف في ظلّ الشروط المحددة للوضع القانوني للسلطة في العراق بعد الاحتلال (والمحكمة بدأت قبل انتخاب البرلمان الدائم وتسليم السلطة جزئيا أو شكليا إلى حكومة عراقية)، لكننا نجزم بشأن الشرعية السياسية؛ فما كان لهذه المحكمة ان تبدأ تحت ظلّ الاحتلال.
ويحق للشعب العراقي أن يحاكم نظاما سابقا على ممارسة ما قد يصنّف كجرائم ضد المواطنين، أو ما يصنّف بموجب القانون الدولي جرائم ضد الانسانية. والمشهد سيكون مختلفا جذريا لو جرى ذلك في ظروف مختلفة، في ظلّ نظام حرّ، وسيادة القانون والنظام العام، لكن لا يتوفر الآن أي من هذين الشرطين.
ثم إن مسار المحاكمة، ابتداء بأول محكمة ترأسها قاض ثبت عدم اهليته وسلامة وضعه كقاض، وانتهاء بتغيير رئاسة المحكمة غير مرّة، مرورا بأجواء المحكمة والكثير من تفاصيلها، حوّل المشهد الى مسرحية هزلية، بدل ان تكون محاكمة تاريخية لنظام دكتاتوري ودموي، تمثل الانتقال من عصر التحكم البشع بحياة الناس ومصائرهم، الى عصر المواطنة الحرّة وسيادة القانون والعدل.
لقد اتاحت المحكمة بصورة مذهلة اعادة تأهيل صورة صدّام حسين كبطل ومناضل، وكل المشاهد التالية لم تفعل سوى ازالة ما ألحقه المشهد الأول لاعتقال صدّام من أذى بصورته.
وبكلمة، فقد وقعت في عهد صدّام من المآسي والانتهاكات المفجعة ما يبرر محاكمة النظام ورموزه، وإصدار اي حكم بما في ذلك الاعدام، لكن قصّة أميركا مع العراق، انتهاء بالواقع الأشدّ رعبا الآن مما كان لأي خيال جهنمي ان يتصوره، جعل من هذه المحكمة مهزلة، ومن نتائجها مشكلة اضافية وليس حلا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري