على مسافة عام من التفجيرات الإرهابية في فنادق عمّان، ننظر الى الوراء، ونضع بضعة استخلاصات:
أولا: أن ذلك الاختراق المشؤوم ظلّ يتيما ولم يتكرر. وكان من الطبيعي، وقد اصبحت الساحة الاردنية هدفا مقصودا، أن نضع أيدينا على قلوبنا ونتوقع الأسوأ، لكن الذي حدث ان النظام الأمني الاردني أظهر قدرة تستحق الفخر في التعامل مع التحدّي ومسابقة الارهاب والتفوق عليه في عنصر الوقاية والمبادأة، ونقل المعركة الى منطقة العدو إلى درجة التمكن من جلب قاتلين الى يد العدالة في عمّان. ومن جهة ثانية، أظهر المجتمع الأردني وعيا وتكاتفا وردّة فعل جعلت مردود العملية سلبيا تماما على أصحابها، وأوصلتهم إلى درجة التبرير الاعتذاري عمّا فعلوه.
ثانيا: أن البلاد تجاوزت بسرعة الصدمة؛ وكما اظهرت استطلاعات الرأي، فإن قضية الامن والارهاب التي قفزت الى رأس أولويات الأردنيين على مدار الأشهر الثلاثة التالية للجريمة، أخذت تتراجع الى مواقع تالية بعد ستة أشهر على التفجيرات، ما دلّ على عودة الأوضاع الى طبيعتها، أكان بفضل عدم وقوع اي حادث ذي شأن أم بسبب الوعي بأن خير ردّ على الارهاب هو مواصلة مسيرة الحياة الطبيعية في العمل والانتاج.
ثالثا: أن معرفة الناس بحقيقة هذا التيار وعبثية نهجه ترسخت وتعززت، ما زاد عزلة هذا الاتجاه وتراجع فرصه، الضعيفة أصلا، في تجنيد الناس وبناء خلايا له في البلد. واذا كان الخطاب الرسمي والمدني عموما قد جهد كثيرا في فضح هذا التيار قبل تلك التفجيرات، فإن جرائم عمّان أعطت للرأي العام نموذجا عيانيا يقول: اذا كان ما حصل جريمة، فإن ارتكابها باسم الدين وباسم الجهاد هو جريمة أدهى.
الاستخلاص البارز بعد الجريمة أعلنه جلالة الملك سريعا، بأن الاردن لن يقبل التحول الى دولة بوليسية. وكان الاصرار على المضي في نهج الانفتاح السياسي والفكري والثقافي، وكذلك تفنيد الاساس العقائدي للارهاب الذي يتكئ على تفسير خاطئ ومشوه ومتطرف للدين.
لم يشهد الاردن تراجعا عن المنسوب السائد من الحريات الديمقراطية، وكان مفهوما ان النشاط الأمني والملاحقات الاحترازية في الاوساط المشبوهة ستتوسع. والقضيّة الوحيدة الجديدة كانت انشاء قانون مكافحة الارهاب الذي لم يثبت منذ اصداره، ولا اتوقع ان يثبت أنه سيضرّ الحقوق والحريّات العامّة بشيء، فهو مقيد بحالات محددة من التشدد، تتصل بالنشاط الارهابي.
والحالة الوحيدة التي اثارت صخبا هي تعزية بعض نواب الاخوان بالزرقاوي، وربّ ضارّة نافعة؛ فقد فتحت الحادثة، وردّ الدولة الحازم، جدلا داخل الاخوان لوضع حدّ للموقف الذي يلعب في المنطقة الرماديّة، بين الشرعية الدستورية الديمقراطية ومغازلة التطرف والارهاب.
مكافحة ثقافة التطرف والارهاب السوداء المعادية للحياة والأمل تنجح، لكنها تعاني من عوامل معاكسة، احدها بالتأكيد استمرار الكارثة الناجمة عن العدوانية الاسرائيلية، والسياسة الأميركية، وإن حلا طيبا وعادلا لبؤر المواجهة الرئيسة سيدفن معه بالتأكيد بقايا هذه الظاهرة المشؤومة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري